د. حسن مدن
مقرّعاً الاستخفاف بالإحساس بالمعاناة العامة، التي قد تكون المعاناة الفردية، في كثير من حالاتها، تجلياً «شخصانياً» لها، يقول شكسبير في «الملك لير»: «تجرعي الدواء أيتها العجرفة، تَعري لتشعري بما يشعر به البؤساء، علك تنفضين الفائضَ عنكِ لهؤلاء، وتظهرين السماء أكثر عدالة».
وفي رأي الشاعر النمساوي ريلكه، فإن «الأزمان هي المقاومة»، ومع أن هذه عبارة أتت في سياق آخر غير سياقنا هذا، فإننا سنأخذها بالمعنى المجازي حين نتحدث عن الشعر المتغلب على الشروط اليومية للسياسة، ليرتقي إلى مقام الخلود، منتصراً على الزمن، دون السماح لهذا الزمن بأن ينتصر على القصيدة، فيواريها في طي النسيان بسرعة تزيد أو تنقص، حين ينتفي الحدث السياسي الذي به اقترنت أو يبهت.
يرى شللي «أن شاعراً واحداً قوياً هو تحفة الطبيعة، يمكن أن نجد أن عقل هذا الشاعر ليس فقط مجرد مرآة لكل ما هو جميل في الكون. الشاعر حصيلة مركبة لتلك القوى الجوانية القادرة على تحويل طبائع الآخرين، وتعديل المؤثرات الخارجية، بحيث توقظ وتقوّي تلك القوى، إنه يجمع البراني والجواني معاً. الشعراء مثلهم مثل الفلاسفة والرسامين والنحاتين والموسيقيين، هم بمعنى من المعاني مبتكرو عصرهم، وبمعنى آخر ابتكارات لهذا العصر، من هذا الرضوخ لا يفلت أحد، حتى الأكثر سمواً».
«الموتى الكبار يعودون، يقول هارولد بلوم، لكنهم يعودون لابسين ألواننا، متحدثين بأصواتنا، على الأقل في لحظات نادرة، لحظات تشهد على عنادنا، وليس على عنادهم. إذا عادوا محتفظين كلياً بقوتهم، فعندها سيكون الانتصار انتصارهم». هم يعودون لأنهم تخطوا حدود زمنهم، لا لأنهم رأوا المستقبل، وإنما لأنهم تمثّلوا زمنهم بعمق المبدعين.
في إحدى قصائده التي لم يضع لها عنواناً والمنشورة ضمن مجموعته «قصائد إنسانية»، يستخدم شاعر البيرو، سيزار فاليجو، كلمة «سياسي» ليصف بها حالة الانفعال الفياضة، حين يقول: «لقد اجتاحني لبضعة أيام شعور، فياض، سياسي، بالهيام وبالرغبة في تقبيل الرقة على وجهيها».
وفي رأي روزنتال، فإن هذا النص يكاد يبرز معالم الموجة الأساسية العارمة من الحب المعطاء اللامعقول التي يتميز بها المزاج «السياسي الفياض» المشترك بين الناس جميعاً من مختلف المشارب السياسية، فكلهم يتمتعون بالقدر نفسه من العاطفة التي تتشكل، ويتم اشتراكهم فيها عن طريق عهد أو ولاء عام، أو هدف مشترك، إنه ينتصر للحب بوصفه طاقة طليقة، لا يمكنه أن يقترن بالشرور تماماً كاحتمال اقترانه بالأمور الخيّـرة إنسانياً.
[email protected]