نقول عادة إن المكتوب يُعرف من عنوانه، وفي تنويع على هذا القول يرد تعبير: «الكتاب واضح من عنوانه». وقرأت أن أصل هذا التعبير هو «المكتوب مبيّن من عنوانه»، وهو مثل دارج في بلاد الشام، ولكن المؤكد أن مغزى القول واحد في المجتمعات العربية كلها، وإن اختلف ترتيب المفردات فيه، أو استبدلت مفردة بأخرى، لكنها تحمل المعنى نفسه.  وليس المقصود بالقول عناوين الكتب فقط، وإنما قد تكون العناوين المسجلة على الرسائل أو الطرود البريدية، وأكثر من ذلك يمكن أن تتسع دلالة هذا القول لتشمل أننا قد نستطيع تخمين ما هي طِباع وميول شخص ما، من محادثة أولية معه، وقد نعني أيضاً أن ما نراه، أو نعيشه من ظواهر وأحداث ما هو إلا مقدّمات لنتائج آتية، أو منتظرة، إيجابية كانت أو سلبية، فمثل هذه المقدمات لا يمكن أن تنتج عنها إلا مثل تلك النتائج المتوقعة، أو لكي نعرف القادم علينا دراسة ما يحمله الحاضر من مؤشرات.
 التشعب في القول هو في الكثير من الأحيان عادة ذميمة، لذلك لنحصر حديثنا في عناوين الكتب أو المقالات، وهنا تختلف الآراء، فإذا كان «المكتوب مبيّن من عنوانه»، كما يقول أشقاؤنا في بلاد الشام، فإن مثلاً، أو قولاً، إنجليزياً ينصحنا بالتالي: «لا تحكم على الكتاب من غلافه»، ولعلّ أهم ما يحمله الغلاف هو العنوان، فقد لا يكون العنوان جاذباً، أو لا يوفق كاتبه في اختيار عنوان لافت لكتابه، ولكن ما بين دفتيه ثري ومفيد، والعكس صحيح، فقد يكون العنوان جاذباً والمحتوى مخيّباً للآمال.
 من أجمل من تناول موضوع العنوان المفكر المغربي عبداللطيف كليطو، أحد أهم المشتغلين بالفلسفة والأدب، وأبرز من يعتمدون ما يمكن أن نطلق عليه تعبير «الكتابة الشذرية» التي تقدّم بعبارات موجزة، مكثقة، وجمل قصيرة أعمق الأفكار، نائين بأنفسهم عن الإسهاب، أو الإسراف في القول الذي يسِم الكثير من الكتابات. وبالمناسبة، فإن الكتابة الموجزة، المكثفة، التي تتوخى قول ما أمكن من الأفكار بأقل ما أمكن من الكلمات، هي من أصعب أنواع الكتابة على الإطلاق.
 يقول كليطو: «من العناوين ما هو من الجمال والإقناع إلى حد أنه يصبح مستكفياً بذاته، وفي أقصى الحالات يمكن لقراءة النص الذي تحتها – أي تحت العناوين – أن تبدو مجرد حشو». يبقى أنه يجب التعامل مع العنوان، لكتاب كان أو لمقال، بوصفه جزءاً من المتن، وفي بعض الأحيان قد يكون أهم ما في هذا المتن.
[email protected]