عن مَكْر «الحرب النّاعمة»

00:48 صباحا
قراءة 3 دقائق

اعْتِيدَ، في الخطاب السّياسيّ والإعلاميّ، التّخفيفُ من وطأةِ ثِقْلِ وصْفِ المواجهات غير المسلّحة - التي تجري بين الدّول - بالحروب على نحو ما ينبغي أن تكون التّسمية؛ وذلك لمجرّد أنّها مجرَّدة من القوّة النّاريّة ولا تجري فصولها بأدوات عسكريّة. هكذا كان يقع الاعتياض عن تسمية الحرب تلك، نعْتاً لها، بتسمياتٍ أخرى دونها شدّةً مثل المواجهات، أو المعارك، أو سياسات العقوبات أو الحصار وما في معنى ذلك. أمّا حين تجد مَن يحفظ لعبارة الحرب بعضَ معناها - فيحرص على استدخال هذا النّوع من المواجهات في خانة الحرب - يبدأ المَيْل - حينها - إلى البحث لعبارة الحرب، في هذه الحال منها، عمّا يميّزها عن الحرب العادية: العسكريّة والقاسيّة، فتوصَف، مثلاً، بالحرب «النّاعمة»: الاصطلاح الذي عُمِّم من فرط فُشُوِّه واستهلاكه حتّى لقد بات مُبْتَدَهاً!

الحرب «النّاعمة»، في هذا التّوصيف، كناية عن كلّ حربٍ لا تجري بين جيوش، ولا تُسْتَخْدم فيها أسلحة ناريّة (علماً بأنّه قد لا تتواجه فيها جيوش ولكن جماعات أهليّة مسلّحة؛ لذلك اقترن معنى الحرب «النّاعمة» بالحرب الخالية من السّلاح). وتدخل، بمقتضى هذا التّعريف للحرب «النّاعمة»، أنواعٌ عدّة من الحروب: الحرب الاقتصاديّة الممتدّة من استخدام سياسات العقوبات إلى إطباق الحصار على العدوّ (مجتمع، دولة)، ومَنْعه من الاستيراد والتّصدير والغِذاء والدّواء..؛ والحرب الإعلاميّة - الإيديولوجيّة التي تتغيّا تضليل العدوّ أو التّحريض ضدّه، وقد تكون منها الحرب النّفسيّة أيضاً؛ وحرب المعلومات التي تستهدف إرباك حسابات العدوّ أو التّهويل من قدرات خصمه، وقد تبلغ حدّ تخريب نظام المعلومات الحسّاسة عنده أو تعطيله (في القطاعات العسكريّة والمدنيّة معاً)، في حال الحرب الإلكترونيّة بين فريقين...

«النّاعم» في هذه الحروب أنّ لعلعة الرّصاص ودويّ الصّواريخ لا يُسْمَعان فيها، وأنّها تقع من غير أن تَسْتجِرّ معها ما تستجرُّه الحروب العسكريّة من دمارٍ في البنى والممتلكات، ومن تهجير جماعيّ للسّكّان من مدنهم وقراهم. ثمّ إنّ بعضها قد يقع باللّسان لا باليد، وتكون مسارحه أجهزة الإعلام، من إذاعات وتلفزات، أو وسائط التّواصل الإلكترونيّة فلا يُجاوِز حدّاً معلوماً: العنف اللّفظيّ. ولعلّ بعضاً آخر منها قد يقع في الخفاء فلا يَلْحظه أحدٌ، ولا يثير انتباهاً ولو أنّ فصوله محتدمة بين الخائضين فيه، من هذا الجانب ومن ذاك؛ وهو ما يتجلّى في حروب المعلومات وجيوشها الإلكترونيّة. هكذا ينتهي أمر هذه الحروب الضّارية التي تدور خلف حجابٍ إلى تبرئتها المحتشمة من منكَرات الحروب العسكريّة من طريق تهذيب اسمها: الحرب «النّاعمة»!

ما من شكٍّ يخامرنا في أنّ فِعْلَ تهذيبِ التّسمية هذا يذهل عن المعنى الدّقيق للحرب، فيختزل محتواها وأهدافها في أدواتها ووسائلها حصراً: الأسلحة النّاريّة؛ وبكلمة، يُفصح عن تصوُّرٍ أدواتيّ للحرب. وما الحربُ بهذا المعنى أبداً؛ إذْ هي، على التّحقيق، كلّ فعْلٍ من أفعال الإيذاء يتغيَّا إلحاق أبلغ الأضرار بالخصم أو العدوّ وصولاً إلى تحطيمه وسحقه. وإن نحن استعرنا مفردات كلاوزڨيتس، فإنّ غاية كلّ حربٍ هي إخضاعُ العدوّ، بعد شلّ قوّته وتحطيم إرادته. والإخضاع هو، بالذّات، فرضُ إرادة المنتصر على المهزوم ودفعه إلى الامتثال لإملاءاته. ولأنّ الحرب بهذه المعاني جميعاً (الإيذاء، الإخضاع، فرض الإرادة...)، فهي قابلة لأن تُفصح عن نفسها في صُوَرٍ منها مختلفة، وأن تتوسّل أدواتٍ ووسائل مختلفة ما دامت جميعُها تشترك في الهدف عينِه وفي القدرة عينِها: القُدْرة على الفتك بالعدوّ. لذلك أتتِ الحرب تُتَرجم نفسَها في أشكالٍ مختلفة يجمع بينها وحدةُ الغاية.

وعليه إذا كان معنى الحرب يقترن بمعنى الإيذاء والإخضاع، فإنّ الأخير ممكنُ البلوغ من طريقيْن: من طريق القتل المباشر والتّدمير المباشر، بواسطة القوّة النّارية العارية، ومن طريق القتل والتّدمير غير المباشرين أو على نحوٍ أدقّ، من طريق تدمير مقوّمات الحياة، بواسطة الضّغط الكثيف على المقدّرات وشروط البقاء؛ كما في حالة الحرب الاقتصاديّة والحصار. والأسلوبان معاً يُفضيان إلى الهدف عينه: إلحاق أبلغ الأذى بالعدوّ، وكسر إرادته وإخضاعه. على أنّ حروباً مثل حرب المعلومات والحرب الإعلاميّة ليست في ذاتها حرباً، وإنّما هي مُهيِّئة لحربٍ قد تكون بالسّلاح النّاريّ أو بسلاح التّجويع.

من البيّن، إذن، مدى بطلان التّسمية الماكرة: الحرب «النّاعمة»، ومدى فقر القائلين بها والمستخدمين إيّاها في خطاباتهم إلى أيّ شعورٍ إنسانيّ؛ إذ كيف لوجدانٍ إنسانيّ أن يوافق على أن يوصف قتْلُ الملايين من الأطفال والرُّضَّع - من الجوع وفقدان الدّواء - بالفعل «النّاعم»؟!

[email protected]

https://tinyurl.com/baffybcu

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"