كلنا سمعنا الأغاني الشامية التي تبدأ بكلمة «ميجانا». بعد عقود من الاستماع إلى الأغاني التي تحتفي بالمفردة، وحين قرأت محتوى تقرير سوف آتي عليه بعد قليل، رحتُ أبحث عن معناها، لأجد أن الروايات حول أصلها وفصلها اختلفت وتضاربت ككل المفردات المنقولة. ينسب إلى الأديب اللبناني مارون عبود (1886 – 1962) قوله إن أصل «ميجانا» منحوت من «يا ما جانا»، أي: ما أكثر ما أصابنا، فيما ردّها الباحث في الفولكلور، إلياس فريحة (1903 – 1993)، اللبناني هو الآخر، إلى أصل سرياني من جذر «نجن» الذي يعني «الغناء». وذكر أيضاً أنها «يا ما جنى» أي ما أكثر ما أصابه الظلم.
على صلة بذلك نسمع عن فنٍ من الزجل الشعبي الغنائي، الشامي أيضاً، المعروف بـ«العتابا»، الذي يردد في مناسبات الفرح والسمر والأنس، ويفيدنا إلياس فريحة بأن «عتابا» و«ميجانا» -وهي تحوير من «مرجانة»- شقيقتان من أب كان أميراً. هناك تأويلات أخرى تطول لا متسع لها هنا، خاصة بعد أن راق لنا تأويل: «يا ما جانا»، تعبيراً عن تجارب الحياة ومعاناتها.
قادتنا إلى هذا الحديث تجربة زوجين فلسطينيين من القدس المحتلة شغفا بإنتاج العطور، وكدأب الفلسطينيين في إحياء كل ما يتصل بهوية وطنهم وتاريخه، حرص الزوجان على أن تجسد عطورهما تراث شعبهما، وعلى الرغم من فظاعة الحرب في غزة، يأمل الزوجان أن تظل عطورهما قادرة على استحضار ذكريات وقت أفضل، كما يفيدنا تقرير أعدّته «بي. بي. سي»، ينقل عن قاسم أبو خلف، وهو يشرح الدافع وراء إنتاجه، هو وزوجته ملاك حجازي للعطور، قوله: «نحاول إرسال رسالة إلى الناس من خلال عطورنا، وكشف تراثنا ورائحة أرضنا».
أنتج الزوجان خمسة أنواع من العطور أسميا أحدها «ميجانا»، وتقول الزوجة: «إن ميجانا لها إيقاع خاص عندما تغنيها، فهي تعني الفرح والسعادة. اخترناها، لأنه عندما تشم رائحة خاصة، تشعر بالسعادة بنفس الطريقة»، فيما اختارا لنوع ثانٍ من عطورهما اسم «ظريف الطول»، ليس بعيداً عن مناخ «ميجانا»، وهو عطر داكن وثقيل، والاسم مستوحى من اسم «الشخصية الرئيسية في الأغنية الشعبية القديمة التي يتحسر فيها المغني على ترك شاب وسيم طويل القامة وطنه الفلسطيني للسفر بعيداً».
نوع ثالث من عطر الزوجين أطلقا عليه اسم «الروزانا»، وهي مفردة ترد في أغنية شعبية شهيرة أدتها فيروز وكذلك صباح، نسبة إلى سفينة انتظرها الناس الذين يعانون من المجاعة في فلسطين ولبنان وسوريا بعد فشل حصاد القمح قبل 100 عام، لكنها لم تجلب سوى المزيد من خيبة الأمل والخسارة المريرة، فلم يكن على حمولتها أي شيء تقريباً للأكل، في مشهد يذكّرنا بحاضر غزّة.
[email protected]