من أطرف ما قرأته عشية العام الجديد، 2025، الذي ولجنا بوابته اليوم، قول الكاتب المصري شعبان يوسف على حسابه في «فيسبوك»، حين كتب بالعامية المصرية: «ممكن تسيبوني هنا لوحدي في سنة 2024، وتروحوا انتم كلكم 2025. أنا مش مطمن إليها أبداً». شعور الكاتب بعدم الاطمئنان للعام الجديد له ما يبرره طبعاً، حكماً مما نحن فيه، فالعام المنقضي صدّر وسيصدّر للعام الجديد كل ما فيه من مصائب، ولا يبدو راهننا باعثاً على أمل بقريبٍ أفضل.
رغم ذلك، لا بأس لو جارينا ما قاله الطغرائي المتوفى سنة 514 للهجرة، محاكياً لامية العرب للشنفرى الأزدي، في بيت الشعر الشهير الذي غدا بمثابة حكمة متوارثة: «أعلل النفس بالآمال أرقبها/ ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، ونحن نشأنا على الثقافة القرآنية التي علمتنا أن «مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً»، و«سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً».
وعبّر الراحل سعد الله ونوس عن جيلٍ بكامله انتسب إليه، حين قال في ختام الكلمة التي كتبها بمناسبة اليوم العالمي للمسرح الموافق للسابع والعشرين من مارس/آذار كل عام، بتكليف من «اليونيسكو» في عام 1996 قبل وفاته بسنة: «نحن محكومون بالأمل».
ومما يحضرنا ونحن بصدد الحديث عن فسحة الأمل، ما قاله الأديب والباحث اللبناني أحمد علبي (1939 – 2017) في مقالة بعنوان «وردة تعبر الحدود» تضمّنها كتابه «تحت وسادتي»، بدأها بالتالي: «دعتني مناسبة سارة، وربّ سائل يقطع عليّ حبل الكلام ليقول محتجاً ساخطاً: وأين هذه المناسبات السارة؟ وأجيبه: نهر الحياة دفاق، ولولا قوة البقاء والعمل والاستمرار التي نختزنها لكان الهلاك نصيبنا منذ زمن والاندثار مآلنا».
كان بطل رواية غابرييل ماركيز «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» يواظب على الذهاب كل يوم إلى الميناء الصغير حيث من المفترض أن تصل السفينة التي تحمل البريد. كان ثمة رسالة مهمة يتوقع وصولها الكولونيل العجوز المتقاعد الذي يقضي الليل متيقظاً مستغرقاً في موجات سعال متواصلة بتأثير مرض الربو الذي يعانيه. كان الكولونيل على موعد مع الرسالة، أو مع السفينة التي سترسو في الميناء حاملةً الرسالة العتيدة التي يبدو أنها ضلت الطريق إليه.
لسنا في زمن الرسائل البريدية التي تنقلها البواخر أو الطائرات، ولم نعد في حاجة لأن نفعل ما فعله بطل ماركيز في الذهاب كل يوم إلى الميناء أو إلى مكتب البريد لعلنا نتسلم رسالة ننتظرها بشغف وشوق. ومع ذلك فحالنا جميعاً حال كولونيل ماركيز. نحن، مثله، على موعد مع أشياء ننتظرها، قد تأتي وقد لا تأتي أبداً، ولكن الأمل بأنها قد تأتي يوماً يمنحنا قوة على الحياة، وبروح مثل هذه علينا أن نستقبل عامنا الجديد.
[email protected]
لولا فسحة الأمل
1 يناير 2025 02:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 يناير 02:03 2025
شارك