ولى الزمن الذي كان فيه على الناس الانتظار يوماً كاملاً كي يشاهدوا حلقة جديدة من مسلسل يتابعونه لأنه راق لهم، ويتشوقون لمعرفة مآلات الأحداث فيه. في الوقت الراهن وفّرت منصات «مثل «نيتفلكس» إمكانية مشاهدة حلقات متتالية من أي مسلسل، وما كان يستغرق شهراً أو أكثر لمتابعته، بات بالإمكان الانتهاء من مشاهدته خلال أقل من أسبوع، ما يجعل الكثيرين عرضة لإدمان هذه المتابعة، فنهاية كل حلقة تحملهم حملاً على متابعة ما سيجري من أحداث في الحلقة التالية.
قبل شهور مرّ عليّ قول لأخصائي في علم النفس اسمه أليكسي ميليخين، مفاده أن الإدمان على مشاهدة المسلسلات التلفزيونية علامة تشير إلى أن الشخص بحاجة إلى راحة عاطفية، مشبهاً إدمان المرء على مشاهدتها بالإدمان على التدخين والإفراط في تناول شيء ما من أجل تشتيت انتباهه وإرضاء نفسه، فالإدمان على مشاهدة تلك المسلسلات ناجم عن حاجة الناس إلى المشاعر في الحياة، وهي طريقة سهلة للحصول عليها. ويمكن أن يكون المسلسل التلفزيوني وسيلة لمعالجة بعض التجارب المؤلمة، وضغوط ما بعد الصدمة من أجل تقليل الألم العاطفي، فالمشاعر القوية، من الحزن العميق إلى الفرح المجنون، تحرّك لدى المشاهدين مشاعرهم وصدماتهم.
وقد يكون الإدمان على مشاهدة المسلسلات ضرباً من التسويف والهروب من مشاكل أو مسائل معلقة على المرء أن يحلها، ولا يجد في نفسه القدرة على فعل ذلك فيهرب منها، فيما جنحت دراسات أخرى، بعضها عربي، للتعرف إلى تأثير مشاهدة المسلسلات على النسق القيمى للمراهقين، سواء كان إيجابياً أم سلبياً. تنقل منصة «فرانس 24» عن خبراء قولهم إن المسلسلات الكورية الجنوبية بالذات مفيدة للصحة النفسية، لأنها تسهم في تقليل القلق والاكتئاب من خلال إضاءة جديدة على المواقف الحياتية عبر قيم إيجابية. وعن مدير لإحدى عيادات الطب النفسي في سيول، تنقل المنصة أن تأثير متابعة هذه المسلسلات شكل من أشكال العلاج بالفن، الذي بدأ في أربعينات القرن الماضي، حيث كان يُطلب من المرضى التعبير عن أنفسهم عبر الرسم. وبرأي هذا الخبير، فإن الشاشة الصغيرة أو السينما يمكن أن توفرا للمشاهدين «إضاءة على بعض المواقف بفضل وجهة نظر جديدة تقوم على قِيَم سليمة وتقدّم حلولاً لمشكلاتهم».
المُغفل في هذه الأقوال أن شروطاً لا بد من توفرها في المادة الدرامية لتحقيق ذلك، فإن غابت أتت النتائج عكسية تماماً لكل ما قيل.

[email protected]