عادي

سميث وحفيد مولوتوف.. أمريكيون يتفاجأون بأدوار مخابراتية لأقاربهم من وثائق كينيدي

21:10 مساء
قراءة 6 دقائق

إعداد: محمد كمال
رغم مرور أكثر من ستين عاماً على عمله بوكالة المخابرات المركزية (CIA)، فإن أسرة الأمريكي إي. بي. سميث، لم تعلم عنه سوى أنه كان أكاديمياً مرموقاً، له عديد من المؤلفات التاريخية عن بعض الرؤساء الأمريكيين، حتى وإن ظلت تتعامل بفخر مع صورة جمعته والرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي، ومثله آخرون، حتى كشفت عنهم الوثائق المفرج عنها مؤخراً.
سجلات قضية اغتيال كينيدي المفرج عنها بأمر الرئيس دونالد ترامب، كشفت العديد من أسماء عملاء لوكالة المخابرات المركزية، كانت مهاراتهم التجسسية سرية حتى على أفراد عائلته.
ويقول الأمريكي جون سميث البالغ 45 عاماً، إنه لم يكن يعرف أن جدّه سميث كان عميلاً لوكالة المخابرات المركزية، حتى كشف الوثائق الجديدة، مؤكداً أن كل تصوره عنه أنه كان أكاديمياً جاداً في جامعة ماريلاند، وإن كان يعرف أنه جاب العالم في شبابه، لكن الوثائق أكدت أنه زوّد الوكالة المخابراتية بمعلومات ثمينة آنذاك تعود إلى الحقبة السوفييتية.
ويبدو أن العديد من العائلات بدأت تعرف لأول مرة كيف شارك الآباء أو الأجداد أو الأزواج في أعمال التجسس الأمريكية، ومن بينهم من عمل كمخبر يجمع المعلومات الاستخبارية عن أنصار الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو، أو عميل ميداني يزرع أجهزة تنصت، أو باحث يستخرج فتات المعلومات الاستخباراتية من مسؤول سوفييتي.


ـ حكاية سميث وحفيد مولوتوف ـ 


وبالنسبة لجون سميث، جاء خبر عمل جدّه بالوكالة على شكل صفحتين قصيرتين كان من السهل تفويتهما وسط سيل الوثائق الجديدة، حيث كشفت الوثيقة التي تعود إلى عام ١٩٩١ عن أن سميث حاول الضغط على مسؤول في المخابرات السوفييتية (كي جي بي) للحصول على معلومات استخباراتية تتعلق باغتيال كينيدي.
ويقول جون سميث، عن ظهور اسم جدّه في الملفات: «بالتأكيد، إنه أمر مفاجئ. لكن بالنظر إلى الماضي، بدا الأمر منطقيًا. كان جدّه رجلًا منفتحًا، عاش سابقًا في الاتحاد السوفييتي، وحافظ على علاقاته هناك حتى بعد عودته إلى الولايات المتحدة».
وكان سميث قد سافر إلى الاتحاد السوفييتي كأستاذ في جامعة موسكو الحكومية عام ١٩٧٦، حيث أقام صداقة مع طالب يُدعى فياتشيسلاف «سلافا»، وهو من عائلة سوفييتية عريقة، فجدّه تولّى منصب وزير خارجية في فترة جوزيف ستالين، وهو فياتشيسلاف مولوتوف، الذي سُميت قنابل المولوتوف باسمه.
وبحسب الوثائق، فإن الصديقين ظلّا على اتصال، وبحلول عام ١٩٩١، عندما سافر سميث إلى موسكو، كان سلافا مسؤولاً رفيع المستوى في المخابرات السوفييتية (كي جي بي) مُكلّفاً بالمساعدة في تحسين العلاقات بين الـ«كي جي بي» ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وفقاً للوثيقة الجديدة غير المُحرّرة. 
وتصف المذكرة جهود سميث لمعرفة المزيد منه عن علاقات السوفييت بقاتل كينيدي، لي هارفي أوزوالد.
أخبر سلافا الذي أصبح نائباً لمدير الـ«كي جي بي» آنذاك، سميث أنه «راجع شخصياً» خمسة مجلدات ضخمة من الملفات المتعلقة بأوزوالد لتحديد ما إذا كان عميلاً سوفييتياً، وفقاً للرسالة التلغرافية الصادرة في نوفمبر ١٩٩١، والمؤشرة بـ «التدمير بعد الاستخدام». وقال سلافا إنه «واثق من أن أوزوالد لم يكن في أي وقت من الأوقات عميلاً خاضعاً لسيطرة الـ«كي جي بي». ومن وصف أوزوالد في الملفات، شكّ في قدرة أي شخص على السيطرة عليه».
ويكشف سلافا، وفقاً للوثيقة، أن عملاء الـ«كي جي بي» راقبوا أوزوالد «من كثب وباستمرار أثناء وجوده في الاتحاد السوفييتي. ومن بين المعلومات التي استخلصوها من مراقبتهم أن «أوزوالد كان ضعيفًا في الرماية عندما حاول إطلاق النار على هدف في الاتحاد السوفييتي». ووفقاً للوثيقة، أبلغ سميث ما عرفه بتفصيل دقيق لضابط مخابرات أمريكي.
وبعد وفاة جد جون سميث عام ٢٠١٣، عن عمر يناهز ٩٢ عامًا، اشترى سميث منزل جدّه القديم خارج أنابوليس بولاية ماريلاند الأمريكية، ومن الملفات غير المحررة، علم أن صديقه السوفييتي سلافا كان يحضر إلى المنزل نفسه.
من بين ما تعتز به عائلة جون سميث بشكل خاص صورة لجدّه الذي كان ناشطًا في الحزب الديمقراطي، وهو جالس مع كينيدي في المكتب البيضاوي، وبعد علمه بدور جدّه في جمع المعلومات الاستخبارية حول اغتيال كينيدي، قال سميث إن الصورة تحمل معنى أكبر.


ـ الزوج الغامض ـ


من ضمن القصص المشابهة، فقد علمت دوروثي نورث، البالغة من العمر 76 عامًا والتي تعيش حالياً في كاليفورنيا، أن زوجها الراحل كان أيضًا عميلًا استخباراتيًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، ووصفه أحد الملفات بأنه «مصدرٌ ذو قيمة استثنائية منذ فترة طويلة».
وتضيف أنها تفاجأت بدوره المخابراتي، وقالت:«إنها صدمة. لم يذكر قط قبل أو بعد زواجهما عام ١٩٧٧ أنه عمل سابقًا مع وكالة المخابرات المركزية«، لافتة إلى أنه توفي عام ٢٠٠٢.
وخلال النهار، كان روبرت نورث يُدرّس في جامعة ستانفورد، ويُدرّب الجيل القادم من طلاب السياسة، ويُعدّ رائدًا في استخدام الحواسيب لتحليل العلاقات الدولية، كما ألّف كتباً حول كيفية تأثير مواقف الناس على سلوك المنظمات والدول. لكن خارج قاعة الدراسة، كان نورث يُزوّد ​​المسؤولين الأمريكيين بمعلومات استخباراتية جمعها من أبحاث جيوسياسية. 
وتروي مذكرة لوكالة المخابرات المركزية صادرة في ٢٤ أكتوبر ١٩٦٢، في خضم أزمة الصواريخ الكوبية، كيف سافر نورث إلى ميامي وتحدث مع ٢٥ من المؤيدين السابقين للزعيم الكوبي فيدل كاسترو، ثم أخبر مسؤولي المخابرات الأمريكية أن العديد من هؤلاء الكوبيين اشتبهوا في رجل واحد، يدعى مانويل راي بأنه «جاسوس محتمل»، وأن عميلاً سرياً آخر أمره بالبقاء كامناً حتى يتم تفعيله لمهمة، وتوفي راي عام ٢٠١٣.
وتصف دوروثي زوجها الراحل بأنه رجلٌ هادئ، متعاطف، ولطيف، لكن لم يكن لديها أي فكرة عن تعاملاته الاستخباراتية سوى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي كان يزوره باستمرار لاستجوابه بعد سفره لإجراء أبحاث. وقالت إنها تأمل ألا يُغيّر هذا الكشف نظرة الناس إلى زوجها، فقد كان من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية، وقاتل في معركة سايبان عام ١٩٤٤.
وأضافت دوروثي أنه كان وطنيًا، وربما رأى في عمله مع مسؤولي الاستخبارات الأمريكية وسيلةً لمساعدة بلاده.
أما القصة الثالثة، فيتحدث عنها ابن أحد العملاء السريين، حيث يقول مارك ميلز إنه في طفولته في ستينيات القرن الماضي، عرف أن والده يعمل في الحكومة الأمريكية، وقد ساعدته وظيفته على التنقل بين تايلاند وفيتنام وكندا وتايوان.
لكنه يقول إن والدته دربته وإخوته الثلاثة ليقولوا إن والدهم يعمل في وزارة الخارجية الأمريكية، ولم يكن مارك على يقين إلا بعد بلوغه الثامنة عشرة من عمره أن والده، برايان ميلز، عميل في وكالة المخابرات المركزية. وفي ذلك اليوم، اتصل والده وطلب منه إحضار أسلاك توصيل إلى مكتبه لأن بطارية سيارته قد نفدت.
ويتذكر مارك مروره ببوابات نقاط التفتيش في شمال فرجينيا حتى وصوله إلى موقف سيارات موظفي وكالة المخابرات المركزية، وحينها، لم ينطق والده بكلمة واحدة عن عمله. وفي السنوات التي تلت ذلك، تعلّم مارك، البالغ من العمر حالياً 67 عامًا، معلوماتٍ صغيرة هنا وهناك بعد تقاعد والده، ولاحقًا في حفل تأبين له. لكنه لم يعلم إلا هذا الأسبوع أن والده كان مشاركاً في أعمال تجسس في كوبا.


ـ عملية فاشلة ـ 


في عام 1959، بعد الثورة الكوبية، افتتحت وسائل إعلام صينية مكتبًا في هافانا، وسارعت وكالة المخابرات المركزية إلى التنصت عليه، وفقاً للوثائق الجديدة، وبعد عام، أُرسل برايان ميلز لتوسيع نطاق العملية من خلال استئجار شقة فوق الوكالة الصينية مباشرةً لتركيب المزيد من المعدات.
لكن بعد مغادرة ميلز كوبا، ساءت الأمور، وألقت السلطات الكوبية القبض على ثلاثة فنيين، متنكرين في صورة سياح، وكانت مهمتهم الحقيقية تثبيت أنظمة مراقبة في الشقة التي استأجرها ميلز.
تشير المعلومات الأولية إلى أن الفنيين الثلاثة سيُتهمون بالتجسس«ضد الشعب الصيني»، كما جاء في المذكرة. وينتهي الملف بملاحظة:«زوجات الفنيين يُخبرن جيرانهن أن أزواجهن في رحلة، وأنه سيتم تعديل هذه القصة بناءً على مسار العمل الذي تتخذه الحكومة الكوبية».
ويؤكد مارك أن والده لم يذكر قط ذهابه إلى كوبا. وأضاف:«لكنني كنت أعلم أنه مر بمواقف صعبة». ففي طفولته في أوائل الستينيات، كان والده يغادر إلى فيتنام، ولم تكن العائلة تسمع عنه لشهر أو شهرين، وقد راقب القلق الدائم على وجه والدته. ويكشف:«مع ذلك، لم يتحدث عن أي شيء من ذلك. بالنسبة لي، كان أبي فقط».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"