في وهم كونية القيم

00:02 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبد الإله بلقزيز

من أَفْعل الأوهام الأيديولوجيّة تأثيراً في الوعي الإنسانيّ المعاصر وهْمُ الكونيّة، تحديداً كونيّة القيم الإنسانيّة المنظورِ إليها - من زاوية هذه الفرضيّة - بوصفها قيماً مشتركة بين الأمم والمجتمعات والثّقافات. ولقد شرعَ الوهم هذا يفرض أحكامه في العالم إلى الحدّ الذي أضحى معه إنكار القول به، عند الأفراد أو المجتمعات، أو حتّى إبداء التّحفُّظ من الرّكون إليه والتّسليمِ بصدقيّته، ضرباً من التّنكُّر الإنسانيِّ العامّ والمشترك وانتهاكاً للمعايير التي تواضعت عليها الإنسانيّة أو مؤسّسات «المجتمع الدّوليّ» في نظر رُعاة فكرة الكونيّة والقائمين على فرْضها وسياسةِ العالَم بها.
والمشكلة في أنّ الغالب على خطاب دعاة الكونيّة قِرانُهُ بين الدّعوة إلى الفكرة والتّلويحِ، في الوقت عينه، بعواقب وخيمة تأتي على مَن يناصبونها الاعتراض. هكذا تَعْرِض أزعومة الكونيّة نفسَها في موكبٍ من الكلام الأيديولوجيّ الابتزازيّ الفاضح، من غير أن ينتبه رعاتُها وسَدنتُها إلى أنّ أفعَال الابتزاز والتّهديد والضّغط المعنويّ لا تتناسبُ ودعوة تَعْرِض على العالم الارتفاعَ بالشّرط الحياتيّ والوجوديّ إلى مستوى المشتَرَك الإنسانيّ!
في الإلحاح على فكرة كونيّة القيم إلحاحٌ على فرضيّةٍ لم يقم عليها دليلٌ من واقع مجتمعات العالم وثقافاته، آيُ ذلك أنّ كونيّة القيم تفترض أنّ هذه تُشكِّل نموذجاً واحداً أوحدَ في مجتمعات الأرض كافّة، فيما الحقيقةُ الفاقعة غيرُ القابلة للطّمس والإنكار هي التّعدُّد، بل والتّنوُّع، على هذا الصّعيد الذي لا يَقْبل التّنْميط والنّمذجة والاختزال. معنى ذلك، من وجْهٍ ثانٍ، أنّ الإلحاح على الفكرة تلك يحمل دعوةً صريحة إلى إعدام الخصوصيّات الاجتماعيّة والقِيَميّة والثّقافيّة الخاصّة بكلّ أمّةٍ أو شعب، والانتظامِ داخل نسقٍ مُعَدٍّ سلفاً يُطْلَق عليه الكوني أو الإنساني العامّ، أي في ما يُشْبه اندراجاً لا مشروطاً في نظامٍ مُعَلَّب! هكذا تنتهي كلّ خصوصيّةٍ من الوجود ولا يعود للتّمسُّك بها، من لَدُن المجتمع والشّعب، مبرِّرٌ موضوعيّ، ومعها ينتهي التّعبيرُ عمّا هو خاصّ لدى كلّ ثقافةٍ أو جماعةٍ وطنيّة أو قوميّة، بل لدى كلّ فرد، ليتقوْلب داخل قالبٍ خاصّ مجعولٍ للجميع!
لا يحتاج المرء إلى كثيرٍ من التّنقيب والسَّبْر - بل حتّى التّدقيق - ليتبيّن أنّ الأمر في هذه الكونيّة المزعومة يتعلّق بإرغام، سياسيّ وقانونيّ ومؤسّساتيّ، مفروضٍ من خارجٍ تبغي قُواهُ فرْضَ معاييرَ واحدةٍ على العالم وإلزامه بأن يعتمدها: إمّا طوْعاً أو كَرْها، وحَمْلَه على التّسليم بأنّها وحدها المعاييرُ العامّة المشروعة التي ينبغي اعتمادُها!
هذه ليست معايير مختَرَعة اختراعاً لغاية تطبيقها على الجميع، ولا هي - طبعاً - ممّا تُوُوفِقَ عليه من أُمم العالَم ودُوَله لكي تكون نظاماً عاماً معتَمَداً، بل هي عينُها المعاييرُ والقيمُ السّائدة في بلدان الغرب: المعايير التي يرى الغربُ أنّها «مثاليّة» ورفيعةُ المَقام، وملائمةٌ للمجتمعات كافّة، بل وجديرة بأن تصير، بالتّالي، مرجعيّة! وغيرُ خافٍ، هنا، مقدارُ الاعتباطِ والتّعسُّف والعنف المجتمعيّ في هذا الفعل القاضي بإلزامِ أكثر شعوب الأرض بقيم شعوبٍ قليلة (في الغرب) لا تعبّر عن شخصيّتها الجماعيّة ولا عن تاريخها وثقافاتها، وكأنّما القيمُ الاجتماعيّة والثّقافيّة والأخلاقيّة سِلَعٌ مادّيّة قابلة للتّصدير والاستهلاك العالميّ أو مادّة من هذا النّصاب أو بهذه المثابة!
ما أغنانا عن الحاجة إلى بيان علاقة التّلازم المكين بين فكرة كونيّة القيمُ وحقبةِ العولمة الجارية، إذْ على صهوة هذه العولمة النَّزَّاعة إلى تحطيم الحدود والسّيادات تُحْمَل فكرةُ الكونيّة تلك وتُفْرَض على العالم بأدوات العولمة ومؤسّساتها. ولمّا كان القانونُ الدّوليّ حمّالَ أَوْجُهٍ (حيث القوي يفرض تأويله له، بل احتكار استخدامِه لمصلحته)، فقد سيقَ في أفق التّسويغ والتّشريع لِمَا تقضي به إرادة قوى العولمة وأُجْبِر على تكييف منظومته وأحكامه لتتوافَق مع مَزْعَمةٍ «كونيّة» أُريدَ بها إخضاعُ العالم لإرادة الأقوى وفرْضُ الطّاعة عليه حتّى في نمط حياته!
هكذا تَعرَّض القانون الدّوليّ (وهو قانون المنتصر: في الحرب العالميّة الثّانيّة ثمّ في الحرب الباردة) لأضخم عمليّة تزويرٍ واستغلال منذ وضْعِه قبل ثمانية عقود، فبات التّلاعُب به لصالح قوى العولمة الكبرى في العالم شأناً اعتياديّاً مألوفاً في السّياسات الدّوليّة، بل لقد بلغ الأمر ببعض مَن يتلاعبون به على مشيئتهم حَدّاً عَدُّوا فيه ذلك الاحتكارَ السّياسيّ له حقّاً حصريّاً لهم يبرِّرُه القانونُ عينُه وسلطتُهم في «المجتمع الدّوليّ» ومركزُهم في ميزان القوّة العالميّ!
على أنّ العولمة - من حيث هي لحظةٌ جديدة من الإدماج القسريّ للعالم - إذْ تقضي بالتّطويح العنيف بالحدود والسّيادات من أجل تعميم (عولمةِ) معطياتها وفتْحِ الأسواق والفضاءات أمام المنتوجات والتّكنولوجيا والمعلومات...، على نحوٍ يتحقّق فيها نظامُها على أنقاض نظام الدّولة الوطنيّة ذات السّيادة، تقضي كونيّةُ القيم - المحمولة في ركاب العولمة - بتحطيم منظومات القيم الخاصّة بالأمم والمجتمعات، وهو الذي لا يكون تحطيماً ناجعاً إلاّ متى ألغى كيانيّةَ المجتمعات واستقلالَها الذّاتيّ، لأنّ الإلغاء ذاك شرطٌ لاستيلاد «مجتمع عالميّ» واحدٍ مزعومٍ ومحكومٍ بمنظومة قيمٍ واحدة. لا غرابة، إذن، في أن يقترن الحديث عن العولمة بالحديث عن «ما بعد الدّولة»، وأن يقترن الحديث عن «كونيّة» القيم بالحديث عن «ما بعد المجتمع».

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"