يعاني نموذج «الدّيمقراطيّة التّمثيليّة»، المطبَّق في دول الغرب وفي قسمٍ كبير من دول العالم، طائفة من المعضلات لم يَنِ عن الإفصاحِ الجهيرِ عنها في تاريخه الحديث والمعاصر، كما لم يتوقَّف الفكرُ النّقديّ - منذ القرن التّاسع عشر إلى يوم النّاس هذا - عن التّنبيه عليها وعلى المغبّة التي تستولدها وتفضي إليها. من أشدّ تلك المعضلات وضوحاً تلك التي تتّصل منها بأزمة التّمثيل السّياسيّ وسلطة القانون في «الدّيمقراطيّات» الغربيّة القائمة، ومن أعوصها اليوم معضلة الحرّيّات العامّة فيها، ومعضلة الفجوة المتعاظمة اتّساعاً بين شعوب تلك الدّول ونخبِها الحاكمة التي وصلت إلى السّلطة بأصوات غالبيّة النّاخبين في تلك الشّعوب!
ولقد يسُوغ أن يقال إنّ تيْنك المعضلتيْن، وإنْ كانتا قديمتيْن، نسبيّاً، ومنحدرتيْن من فتراتٍ وأوضاع سابقة، صارتا أكثر تفاقماً واستفحالاً - اليوم - من ذي قبل، حتّى لكأنّهما تكادان أن تقوما حجّةً قاطعةً على فقدان نظام هذه الدّيمقراطيّة التّمثيليّة صلاحيّة بقائه، لئلاّ نقول شرعيّة وجوده! لنتناول، هنا، أولاهما المتعلّقة بالحرّيّات وبما باتت تشهد عليه هذه في السّياقات السّياسيّة المعاصرة، من ضروب المعاناة في تلك «الدّيمقراطيّات الغربيّة» ونظائرها العالميّة.
كان واضحاً أنّ النّموذج اللّيبراليّ للدّيمقراطيّة قام، منذ ابتداء أمره، على تنازُعٍ بين تيّاريْن فيه وزّعاهُ إلى فكرتيْن فلسفيّتيْن ورؤيتيْن سيّاسيّتين إلى السّلطة ونظام الحكم، وإلى صيغتين سيّاسيّتين مطبَّقتيْن ومتباينتين: تيّار ليبراليّ ديمقراطيّ تتنزّل فيه فكرةُ الحقوق والحرّيّات منزلةَ القلب من النّظام السّياسيّ والاجتماعيّ، وتيّار جمهوريّ (دولتيّ) تحتلّ فيه السّيادةُ الشّعبيّة المركزَ الأساس من غير أن يضحّيَ بالحقوق والحرّيّات.
مع ذلك، لم يَحُل هذا التّبايُن بين الفكرتيْن والتّياريْن دون اجتماعهما على فكرةٍ مرجعيّةٍ جامعة عن الحرّيّة/ الحرّيّات مقتضاها أنّ الحرّيّة حقٌّ مدنيّ تكفله القوانين. على أنّ الفكرةَ هذه قابلةٌ، من جهتها، لتأويليْن يَرُدّان في تبايُنهما إلى تبايُن تيّاريْ اللّيبراليّة: هي قابلة لأن تُفْهَم بما هي تشديدٌ على أنّ الحرّيّة المكفولة بالقانون خاضعةٌ، بدورها، لهذا القانون الذي يسُنّها ويحميها (وهو التّأويل الذي يناسب مبدأ السّيادة الشّعبيّة الجمهوريّ)، وقابلة - في المقابل - لأن تدرَك من حيث هي تفيد أنّ القوانين نفسَها ما وُضِعت إلاّ لتحقيق الحقوق المدنيّة، وبالتّالي، هي مجعولة من أجل إقرار الحرّيّة من غير قيودٍ عليها باسم السّيادة (التي تعبّر عنها الإرادة العامّة لا الإرادات الخاصّة).
تغيّرت الأمورُ منذ عقود، إلى حدٍّ بعيد، حتّى ما عادت أوضاعُ الحرّيّات العامّة في «الدّيمقراطيّات» الغربيّة تُشبه ما كانتْهُ لفترةٍ طويلة امتدّت منذ القرن التّاسع عشر إلى ما قبل ثلث قرن تقريباً، فلقد ضؤُلت مساحتُها في الواقع المادّيّ وممكناتِ التّطبيق على الرّغم من أنّ مكانتها النّظريّة في الدّساتير والمدوّنات القانونيّة لم تشهد على تعديلٍ كبير ينتقص منها أو يزيد فيها، وتَرَتّب عن تلك الضّآلة شرخٌ ملحوظ في شرعيّة الدّيمقراطيّات تلك.
إذا تركنا، جانباً، الحرّيّات الفرديّة (أو الخاصّة) التي ظلّت محفوظة، بل اتّسعت مساحتُها أكثر في العقود الأخيرة، فإنّ صورة الحرّيّات العامّة فسُدت فساداً لا سابق له منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانيّة، حتّى أنّ ظواهر القمع العاري لبعض تلك الحرّيّات، من قبيل قمع حرّيّة التّعبير والتّظاهر السّلميّ، طفت على السّطح وحملتْها الصُّور على الشّاشات ومنصّات التّواصل الاجتماعيّ فشوهِدت، على نطاقٍ واسع، من ملايير النّاس الذين لا شكّ في أنّه خُيِّل إلى الكثيرين منهم أنّ وقائعها تجري على مسارح بلدانٍ من «العالم الثّالث» لا في المجتمعات الأوروبيّة والأمريكيّة!
وهكذا من القمع الوحشيّ الذي وُوجِهت به مظاهرات «السّترات الصُّفر» في فرنسا وانتفاضة المواطنين السّود في أمريكا ترامب (في ولايته الأولى) إلى مئات الاقتحامات القمعيّة للجامعات والمعاهد العليا والاعتصامات الطّلابيّة في الولايات المتّحدة (في ولاية ترامب الثّانيّة)، لكسر حركة التّضامن الشّعبيّ مع غزّة التي تتعرّض للإبادة الجماعيّة، كانت صورة هذه «الدّيمقراطيّة التّمثيليّة» ومنظومة الحقوق والحرّيّات فيها تتغيّر تغيُّراً جذريّاً وتزيد تدهوراً!