د. محمد السعيد إدريس

في إعلانه المفاجئ الذي أعقب القصف الإيراني لقاعدة العديد في قطر مساء الاثنين الماضي بساعات، وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «تم التوصل إلى اتفاق كامل بين إسرائيل وإيران على وقف تام وشامل لإطلاق النار لمدة 12 ساعة، مع التجديد التلقائي لذلك»، وهو ما اعتبره ترامب «نهاية سعيدة» لما أسماه ب «حرب الأيام ال12».
وكان لافتاً تعليق ترامب على منصته «تروث سوشيال» الذي تحدث فيه عن «رد إيراني مُنسق» على قاعدة العديد، رداً على الهجوم الأمريكي على موقع فوردو النووي الإيراني. في هذا التعليق كشف ترامب عن «رضائه» على ذلك الهجوم الإيراني، وقال عنه إن إيران «ردت بشكل ضعيف جداً.. وتصدينا له بفاعلية كبيرة».
وكان لافتاً أيضاً أن ترامب شكر إيران على «إخطارها المبكر ما أتاح لنا تفادي الخسائر في الأرواح والإصابات».. واستنتج ترامب من هذا السلوك الإيراني أنه «ربما يمكن لإيران الآن أن تتجه نحو السلام والوئام في المنطقة، وسأشجع إسرائيل بكل حماس على أن تفعل الشيء نفسه».
الانطباع الأول الذي يمكن استنتاجه من تلك المقدمات أن الأطراف الثلاثة: إسرائيل والولايات المتحدة وإيران كانت قد وصلت إلى قناعة مشتركة بضرورة التعجيل بوقف الحرب، لكن هناك العشرات من الأسئلة التي مازالت عالقة من دون إجابة في ظل مقدمات تلك الحرب التي بدأت بالعدوان الإسرائيلي المكثف على إيران فجر الجمعة 13 الجاري، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار ما تردد في واشنطن من أن الرئيس ترامب كان قد تعرض لضغوط من نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو، ومبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف للتدخل لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن الرجال الثلاثة مصنفون في واشنطن بأنهم من صقور الإدارة الأمريكية الداعمين لإسرائيل.
أول تلك التساؤلات يتعلق بحقيقة أن إسرائيل هي من ضغط للتدخل الأمريكي لوقف الحرب. فإذا كان هذا صحيحاً، فهل هذا يعني حدوث تراجع في الإدراك الاستراتيجي الإسرائيلي لإيران كمصدر للتهديد، ودوافع تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، بل وإسقاط النظام الحاكم في طهران لإخراج إيران نهائياً من معادلة توازن القوى الإقليمي، وتسيد إسرائيل للقيام بعملية «إعادة هندسة بناء نظام إقليمي جديد» في الشرق الأوسط، على النحو الذي كان قد أعلنه نتنياهو مساء الأحد الماضى.
السؤال الثاني الذي لا يقل أهمية يتعلق بموقع القدرات النووية الإيرانية في اتفاق وقف إطلاق النار الذي مازال مفعماً بالغموض ولم تتحدد معالمه. هل ستراجع الإدارة الأمريكية خاصة الرئيس ترامب ورجاله الثلاثة المشار إليهم موقفهم من مسألة حق إيران في تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية بما يؤمن الحق السيادي الإيراني بامتلاك برنامج نووي سلمي كون إيران دولة سبق أن وقعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي تتيح لكل دولة توقع على هذه المعاهدة حق امتلاك برنامج نووي سلمي. سبق للرئيس ترامب والرجال الثلاثة أن تشددوا في رفضهم إعطاء إيران هذا الحق، وسبق أن رفضت إيران بقوة هذا الموقف، وكان ذلك سبباً في إفشال جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران.
يتعلق هذا السؤال الأخيرة بسؤالين آخرين، أولهما موقف الولايات المتحدة وإسرائيل من المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب وبالذات اليورانيوم عالي التخصيب (60% وربما أكثر) الذي نجحت إيران في إخفائه في مكان آمن، خصوصاً في ظل مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بكشف مواقع ذلك المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب الذي يؤهل إيران لصنع قنابل ذرية، وفي ظل موافقة لجنة برلمانية إيرانية على قرار يطالب إيران ب «تعليق» التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي ظل تصريحات جديدة للرئيس ترامب قال فيها إن «إيران لن تعيد بناء منشآتها النووية».
تباعد المواقف بين الأطراف حول القدرات النووية الإيرانية يهدد بخطر الانتكاس والعودة مرة أخرى إلى «المربع الأول» الذي عجل بالحرب الإسرائيلية على إيران، في ظل قناعة استراتيجية إيرانية بأن العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على إيران بات يفرض على طهران ليس فقط إعلان الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وإنهاء أي علاقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالبرنامج النووي الإيراني، وليس فقط الاكتفاء بمجرد «تعليق» العلاقة مع تلك الوكالة، بل التوجه المباشر إلى صنع القنبلة النووية، لأن امتلاك هذه القنبلة هو وحده من سيمنع تكرار أي عدوان عليها.
بهذا المعنى وفي ظل غموض إجابات تلك الأسئلة وغيرها، يتأكد يوماً بعد يوم أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس ترامب هو اتفاق من دون ضمانات، خاصة أن إيران تصر على عدم منح إسرائيل مكاسب بالمفاوضات عجزت عن تحقيقها بالحرب..

[email protected]