إسماعيل عبدالله *
في اليوم الإماراتي للمسرح، في نسخته الثانية، نقف بكل الفخر والاعتزاز، لأن هذا اليوم جاء استحقاقاً لمسرح صنعه الإماراتيون بالكد والجد والحب والعمل، صنعه الإماراتيون بالحلم النبيل، وإنني لأجده يوماً يليق به التأمل، فأسرح الفكر في بداياتنا.
لم يكن يدور في خلدنا قبل خمسين عاماً ونحن نحلم باعتلاء خشبات المسارح كل ما نحن عليه الآن، ولم يكن حلمنا يطاول ما وصل إليه مسرحنا الآن، كانت لدينا أحلام بأن نقول ما نفكر فيه، أن نقوم بلعب شخصيات وأدوار وروايات قرأناها، وأن نحاكي هذا الساحر الذي نطالعه على مسارح الغير، وكنا متأكدين أن ذلك كله ممكن من باب ومستحيل من باب آخر.
لكن، كان هناك من يرعى أحلامنا بصمت الحكماء، رجل فتنه صندوق العجب/ صندوق الدنيا وهو في العاشرة من عمره، رجل صعد خشبة المسرح وهو في الابتدائية ليشهر راية المسرح الحرة في وجه الظلم، هذا الرجل ظل يرسم بصمت وأناة طريقاً ضمّنا ومهّد لنا ولأحلامنا درب الوصول، وكان هو أول الواصلين إلى المجد بحكمته وإبداعه، إنه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
هذا مسرحنا الإماراتي الذي بني حجراً فحجراً، وحلماً إثر حلم، صعد سلم الارتقاء الذي رسمه ذلك الرجل درجة تلو درجة، امتلك صورته ونبضه، ورغم أننا كنا ننظر حولنا بكل الشغف والإعجاب بما حققه غيرنا، إلا أننا امتلكنا نبضنا وصورتنا، كنا محصنين بالحلم، مسرح إماراتي، استقبلنا في مسارحنا وبيوت ثقافتنا خبراء من أفضل صناع المسرح العربي، فتماهوا مع هويتنا وخصوصيتنا، وخرجنا بمعيتهم للمسارح العربية، وبرز من بيننا (نواخذة مسرح) قادوا المراكب بكل شجاعة، وفرسان خاضوا غمار المسرح في كل الساحات، وصار يشار لهم بالبنان، غادر مسرحنا طفولته مبكراً، واشتد عوده بسرعة وصار راشداً ويشار له بالبنان.
انطلقت مهرجاناتنا منفتحة عربياً ودولياً وغير مغلقة، صارت مسارحنا محجاً للمسرحيين العرب وغير العرب، وطار صيت مبدعينا وإبداعاتنا وعمت الآفاق.
مؤسسات وهيئات تضع المسرح في موقعه الذي يليق به، وقيادات تضع المسرحي في موقعه الكريم.
واليوم، نعم في اليوم الإماراتي للمسرح حين أدقق النظر في المشهد وعلى امتداد كل هذه السنوات التي كتبناها وكتبتنا، وهذه الجهود التي صنعناها وصنعتنا، أرى بما لا تخطئه عين البصيرة، أن روحاً عالية وقلوباً جسورة قالت وفعلت وغامرت وأنجزت، وركضت نحو العلى بسرعة الفهود، وطوت فارق السنين في التجربة، هذا ما تحلى به المسرح الإماراتي الذي أسس السابقون لنا مجده وسعى به اللاحقون الذين حملوا الراية بعدهم، لذا جعلنا هذا اليوم يوماً للاعتراف والإنصاف، يوماً للتكريم، يوماً لتجديد الهمة والعهد.
وأنظر للأبعد فأراه، لا يزال يمهد لنا الدرب برؤاه، ولا يزال يحنو على كل جديد ويرعاه، يمهد السبيل، ويذلل الصعاب، ولا يرى الطريق حيث نقف، بل يراه حيث لا بد أن نكون هناك في المستقبل، وأراه بيننا في الوقت نفسه يرعانا ويوجهنا من قلب الخشبة، لا يغيب عن حدث إلا ورعاه، ولا يغيب عن فعل إلا وتفاعل معه، إنه سيدي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، سيد المسرح وفارسه ورايته، فكيف لنا والأمر هكذا ألا نطاول النجوم؟
من يوم ميلاده اتخذنا يومنا، ومن قيمه السامية أخذنا توجهنا، لذا نتابع في يومنا هذا العام استذكار حضور الذين أعطوا ورحلوا لنجعل هذا اليوم تلويحة اعتراف بنبل عطائهم وجميل إبداعهم، ولنجعل من سيرتهم ومسيرتهم إشارات على طريق السالكين نحو مجد المسرح الإماراتي.
* رئيس مجلس إدارة جمعية المسرحيين