عادي

المرأة الإماراتية.. من قارئة إلى ناشرة

23:45 مساء
قراءة 3 دقائق

راشد الكوس*

لطالما كانت المرأة عنصراً مؤثِّراً في حكاية النهوض الإماراتية. ومن يقرأ مشهد النشر اليوم، لا بد أن يلمح بصمة نسائية واضحة، إذ أصبح حضور المرأة مكوِّناً أساسياً في بنية هذا القطاع الحيوي. فقد انتقلت الإماراتية من دور القارئة إلى موقع الناشرة، والكاتبة، وصاحبة القرار، يدفعها شغف ثقافي عميق ورؤية تتجاوز الأطر التقليدية للمشاركة.
جاء هذا التحول بدعم استثنائي من القيادة الرشيدة التي وفّرت البيئة التشريعية والمؤسسية والثقافية اللازمة. وتبرز في هذا السياق نماذج قيادية ملهمة، في مقدمتها الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، التي لم تكتفِ بإطلاق مؤسسات نشر رائدة، بل أسهمت في إعادة تشكيل الخريطة الثقافية عربياً ودولياً برؤية استراتيجية جعلت من النشر مشروعاً تنموياً واقتصادياً.
عبر تأسيس جمعية الناشرين الإماراتيين، وقيادتها للاتحاد الدولي للناشرين، رسّخت الشيخة بدور نموذجاً استثنائياً في تمكين المرأة، فاتحةً أمام الإماراتية أبواب الريادة والتمثيل المؤثر في المحافل العالمية. اليوم، لم تعد المرأة الإماراتية مجرد شريكة في منظومة النشر، بل أصبحت، في حالات كثيرة، من تقودها نحو رؤى أكثر ابتكاراً وشمولاً، تعكس هوية المجتمع وتُجدِّد أدواته في صناعة المعرفة.
أثبتت المرأة الإماراتية، من خلال تجارب عملية ملموسة، قدرتها على بناء مؤسسات نشر ناجحة، وإدارة فرق تحرير، وتقديم محتوى يوازن بين الجوانب الإبداعية والمعايير المهنية. نرى بصماتها في تأسيس دور نشر مستقلة، وفي إطلاق مبادرات قرائية تستهدف الأجيال الجديدة، وفي تمثيل الإمارات في معارض الكتب الدولية، ليس كمشارِكة فقط، بل كصانعة للقرار ومنسقة للشراكات.
ما يلفت في تجربة المرأة الإماراتية في هذا القطاع أنها لا تقتصر على مساهمتها في الإنتاج الأدبي والمعرفي، بل تتعدّاه لتحويل النشر إلى مشروع وطني له بُعد تربوي وتنموي. فقد أسهمت في بناء جسور بين الثقافة والطفولة، وبين المجتمع والهوية، وبين الماضي الورقي والمستقبل الرقمي.
وقد لمسنا ذلك في تجارب عديدة. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، جهود ناشرات إماراتيات أطلقن دور نشر متخصصة في أدب الطفل أو الترجمة أو الكتاب الصوتي. كل واحدة منهن تحمل مشروعاً يتجاوز السوق ليخاطب الأجيال الجديدة، ويترجم تطلعاتها إلى محتوى حيّ.
ومع تسارع التحولات في صناعة النشر عالمياً، من الرقمنة، إلى الذكاء الاصطناعي، إلى تغير أنماط القراءة والاستهلاك الثقافي، تتسع أمام المرأة الإماراتية فرص جديدة للابتكار والتأثير. غير أن استدامة هذا الحضور النوعي تتطلب مواصلة الاستثمار في تطوير المهارات، وتعزيز الوصول إلى التكنولوجيا، وتوفير مساحات أكبر للتجريب والتنوُّع في المحتوى.
نحن، في جمعية الناشرين الإماراتيين، نرى في كل ناشرة إماراتية شريكاً حقيقياً في صياغة مستقبل النشر العربي. ونؤمن بأن تمكين المرأة في هذا القطاع ليس مجرد شعار، بل واقع يتجسّد في منظومة دعم متكامل: من السياسات، إلى التمويل والتدريب، مروراً بتوسيع شبكات التوزيع والتبادل المعرفي محلياً ودولياً.
في قطاع يتغير كل يوم، تواصل المرأة الإماراتية ترسيخ حضورها المؤثر. وما حققته حتى الآن ليس سوى بداية لمسار أوسع عنوانه الشراكة الكاملة في بناء مستقبل ثقافي أكثر عدلاً وابتكاراً. فحين تمسك الإماراتية بالقلم، لا تكتب قصة نجاحها وحدها، بل ترسم ملامح مجتمع يُؤمن بأن المعرفة مسؤولية مشتركة، والنشر رسالة تتسع للجميع. ولكل إماراتية حلمت، ثم خطّت حلمها على الورق، ودفعت به إلى النور.. لكِ كل الاحترام والدعم لمواصلة المسيرة.
* المدير التنفيذي لجمعية الناشرين الإماراتيين

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"