تشهد منطقة جنوب القوقاز تحولات عميقة في ظل الصراعات الإقليمية المتشابكة والتنافس بين القوى الكبرى. في هذا السياق، يواجه الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة وأذربيجان وأرمينيا تحفظات من بعض الأطراف الإقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد. رغم ذلك، يبرز مشروع الممر الاقتصادي بين أرمينيا وأذربيجان كفرصة فريدة لتحويل نقطة توتر إلى منصة للتنمية والتعاون. وفي قلب هذه الرؤية، ينبثق مفهوم الممر العشري، الذي يمثل مساراً استراتيجياً يربط آسيا بأوروبا عبر قوى إقليمية كبرى، ما يفتح آفاقاً لتعزيز التكامل متعدد الأقطاب وإعادة تشكيل الموازين الاقتصادية والسياسية في المنطقة.
دروس من التاريخ: الشمولية شرط النجاح
تعلمنا من التاريخ أن نجاح الممرات التجارية الكبرى، مثل طريق الحرير، لم يكن مجرد نتيجة لبنية تحتية متطورة، بل ارتبط أساساً بشمولية الأطراف المعنية. فاستبعاد بعض الأطراف أدى إلى تصاعد التوترات وتقليص فرص التنمية. لذا، يتطلب نجاح مشروع الممر إشراك جميع الدول المعنية، مع بناء آليات تواصل شفافة تضمن مشاركة فعالة وتحقيق مصالح مشتركة، فضلاً عن إدارة مبكرة للمخاطر.
أدوار القوى الكبرى ودور الخليج
تتباين مصالح القوى الكبرى في المنطقة:
* تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل اعتماد دول القوقاز على النفوذ الروسي، وتوجيه إشراك الصين ضمن توازنات مدروسة، مع الحد من تحالفات إيران–روسيا–تركيا، وتعزيز علاقاتها مع دول الخليج كموازن استراتيجي.
* تحاول روسيا الحفاظ على نفوذها التاريخي وتجنب العزلة عبر المشاركة البناءة.
* تعمل إيران على ترسيخ حضورها وضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية.
* تطمح تركيا لتعزيز دورها كمركز لوجستي إقليمي.
* تسعى الصين لتوسيع نفوذها الاقتصادي عبر شبكة علاقات متعددة الأطراف.
* بينما توسع دول الخليج دورها الاستثماري والاقتصادي والدبلوماسي لتعزيز حضورها الإقليمي ودعم التعاون المتعدد الأطراف.
في ظل هذه الديناميكيات، تتضح الحاجة إلى معادلة الربح المشترك التي تحقق مكاسب استراتيجية واقتصادية لكل طرف، وتضمن استقراراً وتعاوناً مستداماً في المنطقة.
رصيد خليجي في صياغة التوازنات الإقليمية
تمتلك دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية وقطر، رصيداً مالياً واقتصادياً وخبرة دبلوماسية متقدمة تؤهلها للعب دور محوري في إنجاح الممر. ويُفضل أن يكون التعاون الخليجي في هذا المجال تكاملياً، يقوم على التنسيق وتبادل الخبرات دون فرض قرارات موحدة صارمة، بما يضمن المرونة في مواجهة التحديات. كما يُستحسن تجنب المنافسة غير البنّاءة لضمان تحقيق مكاسب مشتركة مستدامة. ومن شأن هذا النهج، إذا ما نُفِّذ عبر أطر وهيئات خليجية منسقة، أن يعزز الثقة بين الأطراف المعنية ويوفر ضمانات استثمارية قوية، ما يسهم في جذب التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية للممر.
خطوات نحو تحقيق التكامل والتنسيق
لتحويل الرؤية إلى واقع، تُقترح الخطوات التالية:
* تأسيس لجنة استثمارية إقليمية مشتركة تضم جميع الدول المعنية لتعزيز التنسيق وتكامل الجهود.
* إطلاق صندوق استثماري مشترك يركز على تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية الحيوية.
* اعتماد آليات دبلوماسية سريعة ومرنة لحل النزاعات المحتملة، بما يحفظ استقرار المشروع.
* وضع جداول زمنية واضحة ومؤشرات أداء دورية لضمان المتابعة والمراجعة المستمرة.
إدارة المخاطر وبناء الثقة
لا يقل أهمية عن التنفيذ الفعلي، وجود آليات واضحة لمنع استغلال الممر لأغراض عسكرية، وإنشاء خطوط اتصال أمنية بين الأطراف، بالإضافة إلى خطط بديلة في حالة رفض بعض الأطراف المشاركة. في هذا الصدد، تلعب الدبلوماسية الخليجية دور الوسيط النشط في احتواء الأزمات وتعزيز مسارات التعاون.
الممر العشري لإعادة تشكيل أوراسيا
يمثل الممر العشري فرصة استراتيجية لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والسياسي في أوراسيا. نجاحه يعتمد على إدارة شاملة ومتوازنة تدمج مصالح جميع الأطراف وتبنّي ضمانات واضحة. من خلال ذلك، يمكن للممر أن يعزز التنمية المستدامة ويخفض احتمالات الصراع، ويفتح آفاق تعاون جديدة بين القوى الإقليمية والعالمية، ليصبح رافعة استراتيجية تُعيد صياغة العلاقات في منطقة معقدة ومتنوعة.
* ماجستير في السياسة والتجارة الدولية