كشفت التظاهرات المليونية في عشرات المدن الأمريكية ضد سياسات الإدارة الأمريكية تحت شعار «لا ملوك». وقبل ذلك فشل طلاب الجامعات، خصوصاً الأمريكية، في تغيير مواقف بلدانهم من العدوان على غزة، عن تلك الفجوة الكبيرة بين مواقف الرأي العام وسلوكيات النخب الحاكمة، حتى في أكثر المجتمعات ليبرالية، رغم الافتراض السائد بأن الديمقراطية التمثيلية ليست إلا مرآة عاكسة لإرادة الشعوب. تلك الفجوة لا يسدها مجرد استخدام المواطن لحقه في التصويت كل عدة سنوات، يمكن تفسيرها بأربعة دوافع أساسية:
الدافع الأول اقتصادي؛ يتعلق بمراكز القوة والنفوذ التي تحوزها الشركات الكبرى العاملة في المجالات الحيوية، خصوصاً شركات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع العسكري. فالمؤكد أن مصالح تلك الشركات تتم مراعاتها من قبل الحكومات، لما تمثله من نسب وازنة في اقتصاديات الدول، وما تملكه من تأثير في فرص نجاح المرشحين في الانتخابات العامة، حيث الإنفاق على الدعاية الانتخابية يفوق طاقة جل المرشحين، ويتطلب تمويلاً عاماً يعترف القانون بشرعيته وينظم طرائقه. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو التأثير الحاسم للمجمع الصناعي العسكري في السياسة الخارجية الأمريكية، إلى حد إشعال الصراعات المسلحة وتغذية الانقلابات السياسية في بلدان العالم الثالث، ترويجاً لصناعة السلاح، التي تعاني البوار حال استقرار الأمن والسلام.
والدافع الثاني سياسي؛ يتمثل في وجود جماعات ضغط قوية، تتمتع بالمشروعية القانونية، لكنها تملك أهدافاً خاصة بها قد لا تندرج بالضرورة في سياق المصلحة العامة، على منوال منظمة «الإيباك» في الولايات المتحدة، اللوبي الصهيوني الأكبر في العالم، والتي تستقطب تبرعات الأمريكيين اليهود لتمويل نشاطها في دعم إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ تستثمر في كثير من السياسيين المؤثرين، خصوصاً أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وحكام الولايات، ناهيك بالطبع عن المقعد الرئاسي. فمن خلال الإنفاق المباشر على حملاتهم الانتخابية، والعمل من خلال وسائل الإعلام على ترويج دعايتهم السياسية أو على نشر فضائح خصومهم الشخصية، يمكنها التأثير لصالحهم، قبل أن تقوم تالياً بالضغط عليهم لاتخاذ مواقف لا تتفق بالضرورة مع المصلحة العامة الأمريكية، ناهيك عن ميول الرأي العام السائد.
والدافع الثالث ديني/ ثقافــي؛ قد يدفع النخبة الحاكمة في دولة إلى موالاة مصالح دولة أخرى، على المنوال الذي تنسج عليـه العلاقات الأمريكيـة الإسرائيليــة، استناداً إلى مفهوم خلاصي لدى المسيحيين الإنجيليين، الذين باتوا يشكلون تياراً وازناً في السياسة الأمريكية اليوم، جعلهم أنصاراً لتيار الصهيونية الدينية في إسرائيل. يؤمن المسيحيون الإنجيليون بسفــــري دانيــــال، وحزقيال في العهد القديم، بقدر ما يؤمنون برؤيا يوحنا في العهد الجديد، وثلاثتهم يبشرون بالعقيــدة الألفيـة، أي عودة المسيح ليحكم العالم لمدة ألف عام يسودها السلام والرخاء، بعد أن يواجه قوى الشر، ويهزمها في موقعة قاسية (هرمجدون) يُقتل فيها ثلثا العالم. ومن ثم يعود اليهود إلى أرض الميعاد، ويقومون ببناء الهيكل، الذي يمثل والحال هذه بشارة لتدشين العصر الألفي. لكن، وعند هذه النقطة يبدأ الخلاف بين المسيحية الإنجيلية والصهيونية الدينية. فاليهود يدركون هذا الحدث باعتباره تدشيناً لعودتهم إلى موقع الشعب المختار، بعد فاصل طويل من الشتات، انطلاقاً من تصور أن الله كان قد تخلى عنهم منذ خراب أورشليم وتدمير الهيكل عام 70م، واتجه في المقابل إلى الأمم الأخرى ليقيم علاقة مباشرة معهم. لكن، ومع المجيء الثاني للمسيح ينتهي زمن تلك الأمم، ويعود الرب مرة ثانية إلى شعب إسرائيل وحده. ورغم أن المسيح في مجيئه الأول رفض تأسيس ملك أرضي، وهو ما دفع اليهود إلى رفض نبوته، فإن مجيئه الثاني سيكون تلبية لحلمهم القديم في مسيا (مخلص) مسلح بالقوة والعنف. وهكذا تعود المسيحية إلى الشجرة الأم، وكأنها لم تكن سوى مرحلة مؤقتة، تعود بعد انتهاء مهمتها، للذوبان في اليهودية.
أما المسيحيون الإنجيليون فيرون، على العكس، أن عودة اليهود إلى أرض الميعاد ليست انتصاراً لليهودية، بل بداية لذوبانها في المسيحية، ما يعني أن المسيحية، وليس اليهودية، هي محور خطة الرب لنهاية التاريخ. ولأن الهيكل لم يُبنى بعد، والمسيح لم يعد ثانية حتى الآن، تظل لحظة الصدام تلك مؤجلة، ويصبح تعضيد إسرائيل بمثابة لاهوت سياسي أمريكي خصوصاً لدى اليمين المسيحي الذي يشكل قاعدة قوية للحزب الجمهوري.
أما الدافع الرابع فتاريخي نفسي؛ من قبيل ذلك الشعور بالذنب إزاء طائفة معينة بالذات، وهو ما يتجسد في الحالة الألمانية، حيث تظل المحرقة النازية لليهود بمثابة الإثم في الضمير الجمعي، يدفع الحكومة الألمانية إلى تقديم دعم اقتصادي سنوي لإسرائيل، التي نجحت في طرح نفسها وريثاً لحقوق اليهود في أنحاء العالم. كما يدفع عموم الألمان وعلى رأسهم مثقفون بل مفكرون من طراز يورجن هابرماس، إلى تأييد سياستها العدوانية، على النحو الذي برز جلياً، وبكل أسف، خلال العدوان الوحشي على غزة.
[email protected]