ربما يعرفها بعضكم، أو استمع إليها في برنامج تلفزيوني أو على إحدى وسائل التواصل، وهي تتحدث عن وصفات تحضير وجبات أكل لذيذة، أما أنا فقد استمعت إليها أول مرة، وبالمصادفة، قبل أيام، في برنامج «كوفي شو» على إذاعة «مونتي كارلو» بالعربية. «الشيف» العراقية أماني، هكذا أسماها مقدّم البرنامج وهو يُحييها، وبعد أن ردّت التحية، سألته: «أتكلم باللهجة العراقية.. ممكن؟»، فأجابها: «أحلى وأحلى». وشرعت في عرض وصفة تحضير وجبة «الدولما» العراقية. ومثل المذيع، كنتُ مستمتعاً بسماع لهجتها العراقية بدرجةٍ لا تقلّ، بل وتفوق، متابعتي لعرض خطوات تحضير «الدولما»، فتوالت المفردات من فمها، فيما كان المذيع يتدخل عند بعضها شارحاً المقصود: «التمن» يعني الرز، «الباكَلاء» تعني الفول، «شِجَر» يعني الكوسة وهكذا.
يبدو لي أن أحد أسباب عذوبة لهجة العراقيين هي الكسرة تحت كثير من الحروف. ما يقال في اللهجات العربية الأخرى مضموماً أو مفتوحاً، تضفي الكسرة في كلام العراقيين جمالاً على نطقه. لتفهموا ما أقصد اسمعوا، مثلاً، كيف يلفظ الفنان ياس خضر مفردة «الليل» في أغنية «مرينا بيكم حمد واحنا في قطار الليل». ليس ياس خضر وحده. ستلاحظون ذلك في بقية الأغاني العراقية، وفي كل شعر مظفر النواب وعريان السيد خلف وغيرهما بالعامية.
نعود للشيف أماني و«الدولما» العراقية التي قسّمتها إلى ثلاث: بغدادية وبصراوية وكردية (أو تركمانية)، قالت إن أهل الشمال يطبخونها باللبن، وأهل الجنوب في البصرة يضيفون عليها الدبس، أما «الدولما» البغدادية، الألذ برأيها، فهي من نوع «حامض حلو».
لم أنج من سحر «حامض حلو» هذه. ربما لأني تذكرت أغنية فاضل عواد «لا خبر.. لا جفية.. لا حامض حلو.. لا شربت»، وأيضاً أغنية الفنان البحريني الراحل محمد حسن التي راجت في النصف الثاني من القرن الماضي «يا اللومي.. يا اللومي.. حامض حلو»، والمقصود باللومي الليمون.
يُطلق تعبير «حامض حلو» على الأكلات أو المشروبات التي تجمع بين مكوّنات حامضة (مُرّة) وحلوة في نفس الوقت. وبشيء من البحث، وقعت على أبيات شعر ذات صلة، بينها بيت منسوب إلى صفي الدين الحلي يقول: «يعذُبُ لي الإحماضُ في قابضٍ/ حلوٍ إذا ما مرّ يستملحُ».
استعصى عليّ فهم معنى البيت، وفي حالٍ مثل هذه اجتمع فيها الشعر واللغة، طلبتُ العون من الصديق الشاعر السوري المقيم بالإمارات جميل داري. أرسلت له البيت فأفادني بأن المعنى هنا أقرب إلى اللغز، وربما أراد قائله أنّ «ضرب الحبيب زبيب». صحيح أنّه موجع ولكنه لذيذ، مذكّراً إيانا بقول المتنبي مخاطباً سيف الدولة: «إن كانَ سَرّكُمُ ما قَالَ حاسِدُنا/ فما لِجُرحٍ إذا أرضاكُمُ أَلَمُ».
لحديثنا عن الحامض/ الحلو تتمة قادمة.