ما رأيك في إحياء إحدى المعارك الأدبيّة الطريفة، التي شغلت المثقفين العرب طوال النصف الأول من القرن العشرين؟ ستقول: إن الناس اليوم لا طاقة لهم بالمعامع التي تكالبت وتذاءبت عليهم، حتى لم يعد لهم ولا حتى خيار طارق بن زياد. طوال عشرات السنين، تكسّرت نصال الأصالة على نصال التجديد. لكن، للأسف، لا الأصالة تجدّدت، ولا التجديد عانق الأصالة.
من غير اللائق أن يتسرّع أحد بأن المشكلة، إلى أيّامنا، دلالة صريحة على أن طرفي المعركة، لم يكن لديهما إدراك سليم ورؤية واضحة للقضية. كانا يظنّان أن الأصالة والتجديد إنما هما خصمان لدودان، لا يستقيم بقاء أحدهما إلّا بإقصاء الآخر. التنين يعطينا درساً فيه العِبر والمبتدأ والخبر. ففي سنة 1966 فجّر الزعيم ماو الثورة الثقافية، وكانت مضادة للكونفوشيوسية، التي رأى فيها عوامل تخدم «الإقطاع والرجعية والاستعباد». غير أن ورثة ماو، من دنغ شياو بينغ فتالياً، أدركوا أن هدم الدعائم التي أرساها كونفوشيوس، ليست لعبةً سهلةً في بلد يتجاوز المليار نسمة. هكذا رسّخوا ركائز الأصالة ورموز تاريخ الإمبراطورية، من كونفوشيوس، والعارف لاوتسو، وصن تزو، وظل ماو يتصدر الساحات، وبالموازاة، يقتحم التجديد كل شبر في الصين، وعالمياً.
المنسي في معركة الأصالة والتجديد، عربيّاً، هو نسبيّة الزمن، حتى من زاوية أينشتاين الذي ينكر وجود الثلاثي، الماضي والحاضر والمستقبل. «أفِق خفيف الظل»، حصيف العقل، أيها العالم العربي، فالماضي تجاوزك بأربعة عشر قرناً، ففي مأثورك المقولة السحرية: «لا تُعلّموا أولادكم ما عُلّمتم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم». هل ترى أحداً من القدامى كان قادراً على فهم كنهها؟ أهي أصالة أم تجديد؟ هل لديك أصالة فوق أصالتها، أو تجديد بعد تجديدها؟ لو أتيتَ بكل كتب العلوم التربوية وفلسفة التربية، واستخلصت عصارتها، ما ظفرت بمثل المقولة.
حسناً، ألا تحتاج المعارك الأدبية إلى تحليل ومتابعة ومحاسبة فكريّة؟ مباراة كرة القدم، يسهر المحللون جرّاها ويختصمون، في الوسائط المرئية والمسموعة، في حين أن مصير أمّة يوضع في ميزان الأصالة والتجديد، ولا يعرف الغافلون حتى الساعة، ما إذا كانت الأصالة هي التي انتصرت في ميادين الحضور الحضاري، أم التجديد هو الذي سمقت قامته، وشمخت هامته، يوم لا ينفع إلّا التنمية الشاملة، والعلوم المتألقة؟ وهل للتنميات المتعثرة أن تصنّف نفسها في أحد الفريقين؟
لزوم ما يلزم: النتيجة النهائية: هل للأصالة أو التجديد، ما هو في اليد، لا ما هو على الشجرة، أن يلعب دوراً في مواجهة تحديات المشاريع «الكوبرا»؟
[email protected]
معركة قديمة بنظرة جديدة
25 أغسطس 2025 00:58 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 أغسطس 00:58 2025
شارك