في الاحتفاء بانطلاقة العام الدراسي الجديد في أي بلد عربي، ما يتجاوز الاحتفال الموسمي أو الشكلي إلى التذكير المطلوب، بقيمة التعليم وبقائه الرهان الأقوى، في وجه خلل في التعامل معه، ومحاولة تأخيره في قائمة أولويات الفرد والمجتمع، بما يضرهما معاً. هذا الاحتفاء ينطوي على رسائل عدة جوهرها الإصرار على جعل الإنسان العربي محور أي تخطيط للمستقبل، والثروة الأهم التي لا مناص عن تعظيمها، ولا شيء مثل التعليم، ولا قبله، يمنح الفرد قيمته ويوسع آفاق طموحه ويجعله كائناً ذا معنى في البنيان المجتمعي.
كان من المعتاد أن نرى على فترات نماذج استثنائية عربية وأجنبية للنجاح، من غير تقيّد أصحابها بالمسار التعليمي المعروف، أو الاكتفاء بمقتطفات أساسية منه، غير أن التعامل مع هذا الأمر غالباً ما كان يحاط بوعي، أنه لا ينبغي أن يزحزح القاعدة التي تعتبر التعليم حجر الأساس في بناء الشخصية السوية، ورعاية الدول له، إنفاقاً وتطويراً، من باب أنه أهم مجالات الاستثمار الآن، لم يعد الإيمان بقيمة التعليم مهدداً بهذا الاستثناء، فموجات التسطيح، ونشر التفاهة التي اتسعت مع تطور التقنيات، قذفت إلى السطح نماذج رسخت لسبل أخرى للتميز الشخصي والمالي، بأدوات لا مكان لقيمة التعليم في معظمها، بل إن منها ما يقلل من قيمته، ويعتبره تضييعاً للوقت والجهد، ما دامت الثمار المشتهاة منها يمكن جنيها بسهولة.
لم يعد الأمر متعلقاً بمهن وأنشطة مرتبطة منذ وقت طويل بالثراء السريع، مثل النجومية في الرياضة والفن، رغم أن فيهما أشخاصاً الآن يجمعون كل أطراف المجد: التعليم الجيد، الشهرة، المال، إذ أصبحنا أمام تبدل في معنى القيمة الفردية والترويج لفكرة أن مصدرها يكاد يكون التفاهة، أو الشهرة التي لا مبرر لها، لكن عوائدها المادية تمنح صاحبها اعتباراً مجتمعياً لا يستحقه.
وضياع القيمة الفردية الآتية من التعليم الجيد، أياً كان مجاله، يمسّ أخلاقيات المجتمع ذاته، ويعيد ترتيب درجاته وطبقاته على نحو يزيح بعضها، ويعلي شأن البعض. ومن أثر ذلك ذوبان الفكرة التي رسخت طويلاً في الطبقات الفقيرة والمتوسطة بكل الدول العربية تقريباً، ومفادها بأن التعليم هو السلم الأهم للصعود الطبقي والمالي، وأن أي ترقٍ لا يرتبط به يبقى معيباً، ومنقوصاً، ومخجلاً في بعض الأحيان.
بهذا يكون الاحتفاء بعودة عام دراسي في الإمارات أو أي بلد عربي انتصاراً مهماً لقيمة التعليم، وتذكيراً بمركزيته في قلب الخطط، خاصة مع إدراك القائمين عليه بحتمية التطوير في أشكال التدريس وموضوعاته، لتتحرر من تقليديتها وتستجيب لمتطلبات المستقبل.
والحديث عن التعليم مناسبة أيضاً للتذكير بأشكال من الحرمان منه في أكثر من قُطر عربي، سواء لظروف اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، واستحالة الوصول إليه في ظرف قاس كالذي تعيشه غزة، ويفرض ما هو أهم من الدراسة كتوفير الغذاء.
التعليم.. الرهان الأقوى
26 أغسطس 2025 00:15 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 أغسطس 00:15 2025
شارك