حين يعلو الضجيج وتنخفض الأصوات الداخلية، في هذا العصر المزدحم بالشاشات والرسائل العاجلة والأخبار المتسارعة، صار الإنسان غريباً عن نفسه، يركض بلا توقف نحو أهداف قد لا يعرف أصلاً إن كانت تخصه أو فُرضت عليه من إيقاع الحياة، ضاع الوقت المخصص للإصغاء إلى الصوت الداخلي وبهتت عادة التأمل في السماء والبحر والجبال.
ومع أن الكون من حولنا ما زال يبث رسائله الصامتة، فإن القلوب التي تتلقاها أصبحت نادرة، غير أن لحظة صمت واحدة، يترك فيها الإنسان هاتفه ويجلس أمام أفقٍ مفتوح، تكفي لتوقظ داخله يقيناً قديماً: أن كل شيء حوله ليس عبثاً وأنه نفسه ليس صدفة عابرة، بل خيط في نسيج كوني متماسك وقد قال سقراط قديماً: «الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش» وكأنما كان ينبهنا إلى أن التأمل في الذات والكون هو شرط العيش بحق.
أولاً: الإنسان والكون: مرايا متبادلة
حين يتأمل الإنسان السماء المرصعة بالنجوم، يظن لأول وهلة أنه ينظر إلى شيء خارجه، لكن الحقيقة أعمق؛ فهو يطل على امتداد لروحه، كل نجم بعيد هو ومضة من وعيه الداخلي، وكل جبل راسخ صورة لثباته حين يرسو على الحق وكل بحر لا نهائي هو مرآة لعطشه الأزلي إلى المعرفة والحب.
الفيلسوف يقترب من هذه الصورة بالعقل، فيقول مع ديكارت:«أنا أفكر إذن أنا موجود»، أما الصوفي فيقترب منها بالقلب، فيهمس كما قال الحلاج: «رأيتُ ربي بعين قلبي».
وبيَّن العقل الذي يرسم الطريق والقلب الذي يمنحه النور، تتحقق المعادلة التي تحفظ الإنسان من التيه: فكرٌ بلا قلب يصبح جافاً وقلب بلا فكر قد يضلّ الطريق، إن الكون لا يتعامل مع الإنسان كمراقب خارجي، بل كجزء حي منه، نحن لسنا كائنات صغيرة في عالم ضخم، بل نحن نقاط وعي تعكس مجد الخلق كله، حتى أصغر الذرات تتجاوب مع مشاعرنا، كما لو كانت مبرمجة على الإحساس بصوتنا الداخلي وهذا ما يجعل التأمل في الكون نوعاً من العودة إلى الذات وليس مجرد فضول علمي أو تجربة شاعرية ولعل ابن عربي لخّص هذا المعنى حين قال:«من عرف نفسه فقد عرف ربه».
ثانياً: الله والوجود: من الظل إلى النور
بعد أن يبحر الإنسان في تأمل الكون، يجد نفسه أمام سؤال لا مهرب منه: ما مصدر هذا الجمال وهذا النظام الدقيق وهذا الاتساق العجيب؟ الفيلسوف يسأل: ما أصل الوجود؟ والصوفي يجيب: الوجود هو ظل النور الإلهي وأصل الظل نور.
الفلسفة تبحث عن البراهين، تزن الأدلة وتناقش المنطق. أما التصوف فيبحث عن الشهود، عن التجربة الحية التي لا تحتاج إلى وسيط. وحين يلتقي البرهان بالشهود، يصبح الإيمان نوراً له جذر في العقل وفرع في القلب، الله ليس بعيداً حتى نبحث عنه في أطراف المجرات وليس قريباً بمقاييس المسافة، قربه يشبه قرب الروح من الجسد، أو قرب النبضة من القلب، إن ومضة وعي في لحظة حب، أو دمعة خشوع في لحظة صدق، هي أقرب مسافة بين الإنسان وربه.
وقد عبّر جلال الدين الرومي عن هذا القرب فقال: «لست قطرة في محيط، بل أنت المحيط في قطرة»، كل شيء في الوجود يعود إليه: الأنهار إلى البحر والأغصان إلى الجذور والأرواح إلى أصلها الأول.. إلى النور وحين يفهم الإنسان هذا، يكفّ عن البحث عن الله في الخارج ويبدأ رحلة الانكشاف عليه في أعماق ذاته.
العودة إلى الصمت الذي يتكلم
التأمل ليس ترفاً روحياً، بل ضرورة للإنسان حتى يتذكر من هو ولماذا جاء وإلى أين يعود. في عالم يحاول أن يسرق انتباهنا كل لحظة، يصبح اختيار الصمت والتأمل عملاً ثورياً ضد التشتت، حين نرفع رؤوسنا من الشاشات وننظر إلى السماء، سنكتشف أن الكون ما زال يهمس لنا بالحقيقة نفسها التي عرفها الحكماء والأنبياء: أن الإنسان والكون والله ليسوا قصصاً منفصلة، بل فصولاً من كتاب واحد، لا يُقرأ إلا حين نفتحه بقلوب صافية وعقول يقظة.
ولعل الحكيم الصيني لاوتسو كان صادقاً حين قال: «الصمت هو مصدر القوة العظمى».
حين يتحدث الصمت: رحلة في مرآة الوجود
8 سبتمبر 2025 00:44 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 سبتمبر 00:44 2025
شارك