خالد راشد الزيودي*
تعيش عجمان هذه الأيام أجواءً عامرة بالوفاء والاعتزاز، وهي تحيي الذكرى الرابعة والأربعين لتولّي صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، مقاليد الحكم في السادس من سبتمبر/ أيلول عام 1981، خلفاً لوالده المغفور له الشيخ راشد بن حميد النعيمي، طيب الله ثراه. ومنذ ذلك اليوم التاريخي انطلقت مرحلة جديدة من مسيرة الإمارة، قوامها الحكمة والرؤية النافذة والعمل الدؤوب، لتتحول عجمان في ظل قيادته إلى ورشة بناء متواصلة، وميدان يتجدد فيه العطاء عاماً بعد عام.
ومع نشر هذه السطور اليوم الثلاثاء، فإن عجمان لا تحتفي بمجرد ذكرى، بل تستحضر مسيرة زاخرة بالإنجازات، وتستعيد محطات مضيئة رسّخ فيها سموه قيم الحكم الرشيد، ووضع الإنسان في قلب كل مشروع، وعزّز من حضور الإمارة ومكانتها على المستويين الوطني والإقليمي، مؤكداً دورها الفاعل في مسيرة الاتحاد الذي يقوده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وإخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، نحو مستقبل أكثر إشراقاً للوطن وأبنائه.
على امتداد أكثر من أربعة عقود، شهدت عجمان نهضة كبرى شملت جميع المجالات، قائمة على رؤية ثاقبة وتخطيط محكم وإرادة صلبة. فقد عمل سموه على تحديث الدوائر المحلية وربطها بالدوائر الاتحادية، مواكباً ثورة الاتصال والمعلومات، ومعززاً المنصات الرقمية، إلى جانب استحداث وتطوير القوانين، وإطلاق المبادرات التنموية، والاعتماد على الشباب المواطن المتعلم في قيادة العمل المؤسسي.
وُلد صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي في مدينة عجمان، وتلقى تعليماً متميزاً في علوم القرآن واللغة والرياضيات، كما تمرّس على الفروسية والفنون القتالية، وتدرّب منذ شبابه على شؤون الحكم والإدارة إلى جانب والده، حتى أصبح ساعده الأيمن. وفي عام 1960 تم اختياره ولياً للعهد، ثم انتُخب نائباً لرئيس مجلس الإمارات المتصالحة عام 1966. ومنذ عام 1968 شارك ممثلاً أو مرافقاً لوالده في مباحثات تأسيس الاتحاد، حتى قيام الدولة في الثاني من ديسمبر 1971، ليكون شاهداً ومشاركاً في لحظة تاريخية فارقة.
منذ توليه مقاليد الحكم، جعل سموه الإنسان محور التنمية، فاهتم بالتعليم والاقتصاد والصحة والبنية التحتية، وبقي قريباً من المواطنين، يلتقيهم مباشرة ويتفقد أحوالهم، ليكون القرار نابضاً بالواقع. ويشهد الجميع لسموه بتواضعه الجم وبشاشته الدائمة، إذ ظل حاضراً في كل المناسبات، مشاركاً الناس أفراحهم وأتراحهم.
كان التعليم في صدارة أولوياته، فقد افتتح أول مدرسة للبنات في الإمارة عام 1960، وأسهم في انتظام الطلاب في التعليم شبه النظامي أواخر الخمسينات. وفي عام 1983 أطلق جائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم لتكريم المتفوقين، ثم رعى تأسيس كلية عجمان الجامعية عام 1988 (جامعة عجمان لاحقاً)، وكلية الخليج الطبية عام 1998، لتتحول عجمان في عهده إلى منارة للتعليم العالي. وحصلت الإمارة على عضوية شبكة اليونيسكو العالمية لمدن التعلم، في اعتراف بدورها في دعم التعليم مدى الحياة. وقد نال سموه الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة بدفوردشاير بالمملكة المتحدة عام 2009، وفي الفلسفة من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا عام 2011، إضافة إلى اختياره شخصية العام المتميزة في جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عام 2011.
أسس سموه المجلس التنفيذي لإمارة عجمان عام 2003، ليكون منصة للتخطيط الاستراتيجي وصياغة السياسات العامة. كما وجّه بتطوير البنية التحتية، فشهدت الإمارة تشييد الجسور والطرق والمتنزهات والمرافق العامة، حتى بلغ معدل رضا المجتمع عن الخدمات 97.1% عام 2023، وفق مؤشر جاذبية إمارة عجمان.
اقتصادياً، حرص سموه على جعل عجمان بيئة استثمارية جاذبة، فحققت هيئة المناطق الحرة أداءً استثنائياً، وأصبح ميناء عجمان رافداً رئيسياً للتجارة بعد توسعاته المستمرة، فيما شهد القطاع السياحي طفرة كبيرة مع ازدياد الفنادق والمعالم الجاذبة للسياح. أما القطاع الصحي فقد تطور بشكل ملحوظ لتقديم خدمات وفق أعلى المعايير العالمية.
وفي المجال الإنساني، تجسد نهج سموه في تأسيس هيئة الأعمال الخيرية العالمية عام 1984، إلى جانب مؤسسة حميد بن راشد النعيمي الخيرية التي تدعم الأيتام والأسر محدودة الدخل وطلاب العلم. كما حرص على تعزيز التوطين وبناء القدرات الوطنية باعتبار التنمية البشرية أساس كل تقدم. ولأن الهوية الوطنية لا تنفصل عن الأصالة، أولى سموه اهتماماً بالرياضات التراثية مثل سباقات الهجن والفروسية والسباقات البحرية ومسابقات جمال الخيل العربي، إلى جانب دعمه لمختلف الأنشطة الرياضية في الدولة.
إنّ مرور 44 عاماً على حكم صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، ليس مجرد تاريخ يُستذكر، بل هو سيرة قائد حكيم جمع بين التواضع والحكمة والرؤية الاستشرافية. واليوم، ومع استمرار مسيرته، تواصل عجمان بخطى واثقة نهضتها الشاملة، شريكاً فاعلاً في مسيرة الاتحاد، إلى جانب إخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لتبقى دولة الإمارات نموذجاً عالمياً في التنمية والإنسانية والنهضة المتوازنة.
*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر