الأجهزة الذكية أصبحت جزءاً من حياة الطفل منذ سنواته الأولى، الشاشة تحولت إلى وسيلة لجميع المشاعر، سواء للتهدئة، أو للترفيه، وحتى للتعلم، لكن خلف هذه المنافع التي نراها، تكمن أسئلة مهمة منها: هل يفقد الطفل قدرته على التواصل الواقعي حين يعتاد التواصل الافتراضي؟ هل يضعف الاستخدام المفرط للشاشات خياله وقدرته على التركيز؟ وفقاً لدراسة استندت إلى بيانات المسح الوطني لصحة الأطفال في الولايات المتحدة عام (2020– 2021) الذي تشرف عليه المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC ) والمركز الوطني للإحصاءات الصحية (NCHS)، فإن قضاء 4 ساعات أو أكثر كل يوم أمام الشاشات يزيد من احتمالية إصابة الأطفال والمراهقين بالقلق والاكتئاب والمشكلات السلوكية والعاطفية واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بالإضافة لأمور أخرى مثل قلة النشاط البدني، واضطراب مواعيد النوم، وقصر مدة النوم.
هذه التأثيرات الواضحة والمثبتة علمياً، تبين لنا بشكل جلي أن الأبوة والأمومة الحديثتين ليستا مجرد رعاية جسدية للأبناء وحسب، بل إدارة توازن بين العالمين الرقمي والواقعي. على الأسر اليوم، حراسة الوقت الذي يقضيه أبناؤها أمام الشاشات، وأن تكون قدوة في كيفية استخدام هذه الوسائل التقنية بوعي، فكيف نطالب الطفل بالاعتدال إذا كان يرى والديه منشغلين بهواتفهما لساعات طويلة؟ من التحديات الكبرى أيضاً، مسألة الهوية، في الماضي، كان الطفل يبني هويته من أسرته، مدرسته، محيطه القريب، الآن المجتمع الرقمي يشارك في تشكيل هذه الهوية بقوة عبر منصات تغرق الطفل بالصور المثالية والمقارنات، هنا يأتي دور الوالدين في أن يمنحا أبناءهما الثقة الكافية ليروا أنفسهم بعيداً عن مقاييس الإجابات والمتابعين، وأن يذكروهم بأن قيمتهم لا يجب أن تؤخذ من صورة أو تعليق. أيضاً لا يمكن إنكار أن العالم الرقمي يحمل فرصاً تربوية هائلة، من خلالها يمكن للطفل أن يتعلم لغات جديدة، أو يطلع على ثقافات مختلفة، أو يطور مهارات لا يتيحها التعليم التقليدي، السر يكمن في «الوعي» وكيف نوجه الطفل ليستفيد من التقنية‏ دون أن يقع أسيرها.
الأبوة والأمومة الحديثتان ليستا أصعب ولا أسهل من الماضي، بل هما مختلفتان، إنهما تتطلبان يقظة مستمرة، ومرونة في التكيف، وحواراً مفتوحاً مع الأبناء بديلاً عن الأوامر الجافة، فالطفل في هذا العصر يحتاج إلى والدين يكون لهما دور «المرشد» أكثر من «الرقيب والمعاقب»، وإلى بيت يمنحه الأمان العاطفي الذي لا يمكن لأي شاشة أن تعوضه. يبقى التحدي الحقيقي أن نفهم أن التربية لم تعد مجرد نقل قيم الماضي، بل بناء جيل قادر على العيش في المستقبل الرقمي بوعي وحكمة، الأمومة والأبوة اليوم، هما معركة صامتة بين الشاشة والقلب، والفوز فيها يكون حين نعلم أبناءنا أن التقنية‏ وسيلة للعيش، وليست الحياة كلها.