مستودع للزوارق، لعلّه كان سيبقى كذلك لعقود تالية، لولا أن رجلاً ثريّاً اسمه جاك ثابت عُرف ولعه بالأدب والشعر ارتأى شيئاً آخر: تحويل مستودع الزوارق إلى مسرح كبير يصبح تحفة معمارية، وعلى خشبته تقدّم العروض الموسيقية والمسرحية. وهكذا كان، ظهر للوجود «التياترو»، أو مسرح بيروت الكبير، في عمق شارع الأمير بشير غربي ساحة البرج، الذي بدأ العمل في بنائه في عام 1927، وقدّم أول العروض عليه في عام 1929.
صفة الكبير لم تطلق على «التياترو» من قبيل التضخيم أو التفخيم، وإنما هي صفة تليق بصرح شيّده معماريون لبنانيون مهرة، أبرزهم المهندس يوسف أفتيموس الذي حرص على تصميمه بشكل يخدم عروض فرق الأوبرا الآتية من أوروبا، فجعله دائرياً يشبه المسارح اللندنية القديمة، ببهوه الفسيح الذي يتفرع منه درجان عريضان يؤديان إلى مقصوراته الفخمة وغرف الممثلين الفسيحة، وجعل مقاعده ال 706 الحمراء تشبه إلى حد كبير مسرح الأوبرا في فرنسا، وزيّن مدخله الخارجي بزخرفة جميلة.
سيغدو «التياترو الكبير» علامة على العصر الثقافي والفني الذهبي لبيروت. على خشبته تألقت فيروز وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفايزة أحمد ويوسف وهبي وجورج أبيض وغيرهم من عمالقة الغناء والمسرح في لبنان والمشرق العربي. ومن أهم المسرحيات التي قدّمت عليه «كرسي الاعتراف»، «الولدان الشريدان»، «راسبوتين»، «غرام الأعمى»، «عروس الخيام» وغيرها.
ليس المغنون والمسرحيون وحدهم من وقف على خشبة المسرح، مثلهم فعل شعراء كبار، يوم كانت الثقافة والفن في حال صعود وتألق، ومع بدايات تراجعها اكتفى المسرح بتقديم العروض السينمائية، حتى اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، فأحدثت ما أحدثت من الخراب. أمراء الحروب لا يأبهون بأمر اسمه الثقافة. الأفضل لهم ألا تكون هناك ثقافة، فهي تهذب النفوس وتُعلي الذائقة وتُنمي روح التسامح والتآخي وحب الحياة، وكلها قيم نابذة للحروب، وهكذا تحوّل المبنى الحاضن للفن إلى ساحة للمتقاتلين يتخندقون في أرجائه وزواياه.
انتهت الحرب الأهلية لكن آثارها لم تنته. جرت عدّة محاولات لإعادة تأهيل المسرح كلّها فشلت، فالمبنى أصبح في عهدة شركة خاصة مكلفة بإعادة تعمير وسط بيروت، اكتفت بتسييج المبنى، وقيل إنها كانت تفكر في تحويله إلى «بوتيك أوتيل». لحسن الحظ لم يحدث ذلك. ها هي علامات عودة المسرح إلى الحياة قد ظهرت. على نقيض الأيدي التي تدمّر، هناك أيد تعمّر. من شارقة الثقافة امتدت اليد الكريمة والحانية لحاكمها المثقف راعي الثقافة والفنون، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لتكون الإمارة المانح الرئيسي والأول في الحملة الدولية لترميم المبنى التاريخي، وإحياء معلم من معالم مجد بيروت الثقافي الذي يليق بها.
[email protected]