مصر أم السرد..

00:11 صباحا
قراءة دقيقتين

..جاءت الدورة الحادية والعشرون من ملتقى الشارقة للسرد في القاهرة قبل أيام قليلة تحت عنوان «الرواية والذكاء الاصطناعي» في إطار أربعة محاور ناقشها أكثر من ستين كاتباً وكاتبة في مصر، بلد السرد والقصّ والرّوي منذ يحيى حقي، وإلى يوسف زيدان، وما بعده من أجيال روائية وقصصية..
السرد في حدوده الأدبية والقصصية في مصر عنوان كبير يضعنا أمام لائحة إبداع مصرية كبرى في حجم أمومة أم الدنيا وولاداتها السردية المتوالية، ومن أعلام هذه السردية: نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، جمال الغيطاني، يوسف القعيد، إدوارد الخرّاط، صنع الله إبراهيم، إحسان عبدالقدّوس، يوسف السباعي، محمد عبدالحليم عبدالله، يحيى الطاهر عبدالله، ثروت أباظة، يوسف أبوريّة، عزت القمحاوي، خيري شلبي، البير قصيري، بهاء طاهر، علاء الأسواني، محمد المخزنجي، نوال السعداوي، إبراهيم عبدالمجيد، محمد مستجاب، محمد سلماوي، يوسف إدريس..
وهل تريد المزيد من لائحة الشرف الأدبية العربية المصرية هذه؟؟ إذاً، فإن مقالة اليوم تخرج إلى القارئ وكلّها أسماء، ولكنني هنا، وعلى الأقل، ذكرت الأسماء التي قرأناها نحن العرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أما إذا عدت إلى تصنيف (الويكبيديا) فستجد أمامك أكثر من مئة اسم في الرواية، وفي القصّة، هذا غير السرديات الشعبية والدرامية التي شكلت ظاهرة تلفزيونية هي في الوقت نفسه ظاهرة أدبية مثل تجربة المبدع الكبير أسامة أنور عكاشة..
تحكي مصر أو تسرد وتتكلم (عربي) روائي وقصصي أكثر مما تكتب شعراً، أو أنها بلد تفوّق النثر على الشعر، وفي الكثير من التجارب السردية القصصية والروائية ينمو الشعر، ولكن لأن هويته ليست حكائية يظل نوعاً من البهار الناعم الدافئ في كل سياق سردي.
..الآن، ما علاقة كل هذه الهوية الأدبية السردية بموضوع الذكاء الاصطناعي، والقول بالإيجاز هنا إن كل تلك العشيرة المصرية الروائية والقصصية منذ (قنديل أم هاشم) وحتى آخر ولادة سردية في مصر لم تستخدم ذكاءً غير الذكاء البشري في إنتاج هذا الأدب العربي الغزير.. إنه ذكاء المكان المصري أولاً، ذكاء الحارة المصرية، وذكاء رائحة الترعة والنهر والشارع، والمقهى. ذكاء بنت الحتّة، وجدعان ثقافة الفلّاح في القرية، وتحّولات المدينة من كونها قرية (على قدّ مخيلة توفيق الحكيم) إلى حاضرة مدنية مليونية في الليل، ومليونية ثانية في النهار.
ملايين بتتكلم، وملايين بتضحك، وتطلق النكات والضحك والسخرية بتلك الغريزة الشعبية الذكية.
لا يستطيع المصري أن يستوعب فكرة الذكاء الاصطناعي الذي يحكي له قصصاً ليس فيها رائحة حارة نجيب محفوظ، أو شخصية عسكري يوسف إدريس، أو نسيم محمد المخزنجي، أو مقامات الغيطاني، أو إسكندرية عبدالمجيد، أو مسيحية يوسف زيدان، أو رائحة صنع الله إبراهيم، وطوق وأسورة يحيى الطاهر..
السرد في مصر، وربما في كل مكان في العالم هو طبيعة اجتماعية شعبية في الأصل تحوّلت عبر التاريخ إلى سلوك ومذاق وهوية...
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"