د. ناجي صادق شراب

لقد كشفت الحرب على غزة الصراع الحقيقي على القضية الفلسطينية وأعادت الصراع إلى الأولويات، وعادت بنا لسنوات النشأة الأولى للقضية الفلسطينية ومقاربة الدولتين التي أقرها القرار الأممي رقم 181 عام 1948 والذي بموجبه تم تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية على مساحة 54 في المئة ودولة عربية على مساحة 34 في المئة والقدس تحت الوصاية الدولية. وهذا القرار لا يمكن أن يقرأ إلا في سياقه الزمني والتاريخي، وما كان يمكن أن يصدر لولا قوة وتحكم بريطانيا والولايات المتحدة في عملية التصويت بالأمم المتحدة، ورغم أن القرار جاء على حساب الأغلبية السكانية الفلسطينية وملكية الفلسطينيين لكل الأراضي الفلسطينية، كان بمثابة الانطلاق لإسرائيل لتحقيق حلمها بالدولة اليهودية وإحياء مفهومها لإسرائيل الكبرى الذي أعاد إحيائه من جديد نتنياهو في خضم تداعيات الحرب على غزة.
كانت حرب 1948 والتي بموجبها احتلت إسرائيل نحو 28 في المئة من الأرض المخصصة للدولة الفلسطينية، وضمت كل الأراضي مع حرب 1967 باحتلالها كل الضفة وغزة لنصل اليوم مع حرب غزة للهدف الحقيقي لإسرائيل برفض الدولة الفلسطينية تحت ذرائع وحجج واهية وبإحياء لسردية إسرائيل الكبرى وأساسها كل فلسطين لتنطلق منها للدول العربية المجاورة، ومن هذا المنظور تعتبر قيام الدولة الفلسطينية التحدي الأكبر والعائق ألأكبر امام هذا الحلم والوهم السياسي.
وكما نرى اليوم تفعيل سياسات الاستيطان والتهويد في الضفة، ومحاولة تدمير كامل للحياة في غزة والدفع نحو عملية تهجير لسكانها البالغ عددهم مليونين، فمشكلة إسرائيل الحقيقية في الوجود السكاني الفلسطيني، وأساس أي دولة تجميع سكانها وتثبيت هويتها الوطنية، ولذلك الحرب الحقيقية لإسرائيل هي الحرب على الدولة الفلسطينية، ومهاجمتها لأي دولة تعترف بفلسطين الدولة. وعليه فلعل أكبر تداعيات الحرب على غزة إحياء هذا الصراع. الفلسطينيون من جانبهم أعادوا حل الدولتين، واليوم يبلغ عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين 153 دولة، وخطت هذه الدول خطوة متقدمة بالاعتراف بها كدولة مراقب في الأمم المتحدة وقبولها في أكثر من منظمة دولية.
ومع حرب الإبادة على غزة وتدمير كل مظاهر الحياة المدنية انتشرت أصوات كثيرة في العديد من الدول بما فيها أمريكا وأوروبا وكان نتيجته الضغط في اتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية وخصوصاً من قبل فرنسا وبريطانيا، والأخيرة تتحمل مسؤولية تاريخية في قيام ونشأة القضية الفلسطينية. ومن تداعيات الحرب أيضاً مؤتمر حل الدولتين الذي عقد في نيويورك برئاسة المملكة العربية السعودية وفرنسا وبرعاية الأمم المتحدة وحضور 31 دولة، والذي انتهى ببيان ووعد بتبني حل الدولتين والاعتراف بفلسطين دولة، وهو ما أغضب الولايات المتحدة وإسرائيل، لنرى مظاهر من التوتر ولأول مره في علاقات إسرائيل بفرنسا وبريطانيا وأستراليا والمجر وغيرها.
تدرك إسرائيل ومعها الولايات المتحدة أنها لن تستطيع وقف الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهنا توظيف الولايات المتحدة للفيتو في مجلس الأمن ضد أي مشروع لقبول فلسطين دولة كاملة العضوية تحت الاحتلال، ومن ناحيه أخرى حرب إسرائيل على غزة لتهجير شعبها وإلغاء مخيمات اللاجئين وأي دور لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وتسريع عملية الاستيطان في المناطق المخصصة للدولة الفلسطينية لتقلص مساحة السلطة الفلسطينية لما يقارب ال 12 في المئة.
والفرضية الرئيسية التي تقوم عليها هذه المقاربة الإدراك الإسرائيلي مدعوماً بتأييد غير مسبوق من إدارة الرئيس ترامب أن هذا هو الوقت المناسب لتصفية القضية الفلسطينية. وغلق كل ملفات القضية كالقدس واللاجئين وإلغاء دور وكالة الأونروا. وعملية تهجير للسكان، وخصوصاً في ظل أكثر حكومة إسرائيلية يمينية متشدده تؤمن بحلم إسرائيل الكبرى. وما يشجع على هذا الاعتقاد أن الظروف الداخلية الفلسطينية، والإسرائيلية، والبيئة الإقليمية والدولية هي الأنسب للتخلص من «العقدة» الفلسطينية وغلق ملف القضية. وهذا هو الهدف الاستراتيجي للحرب على غزة وتداعياتها في الضفة الغربية بتسريع الاستيطان.
في المقابل هناك تطور إيجابي ولو كان رمزياً وهو الاعتراف بالدولة الفلسطينية. هذا الاعتراف يحتاج إلى رؤية فلسطينية شاملة مدعومة عربياً ودولياً وأولها التخلص من حالة الانقسام السياسي بين حماس وفتح ودعم وجود السلطة وتفعيل هذا القرار في الأمم المتحدة بالانتقال من حالة دولة مراقب لدولة كاملة العضوية تحت الاحتلال، لتحقيق هذا الهدف هناك حاجة إلى تأييد مجلس الأمن، وهنا تبرز عقبة الفيتو الأمريكي، وللتغلب عليه يمكن تحويل القضية تحت بند الاتحاد من أجل السلام والتصويت في الجمعية العامه وترجمة هذا التأييد للاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى قرار أممي ملزم، وهي مرحلة مهمة لو تحققت تصبح مسؤولية الأمم المتحدة المباشرة لرفع الاحتلال عن دولة عضو في الأمم المتحدة. والجانب المهم أيضا ترشيد السلطة الفلسطينية، وتفعيلها والتوافق حول وسائل المقاومة السلمية لتعرية الموقف الإسرائيلي. الاعتراف خطوة مهمة على طريق طويل من العمل السياسي.

[email protected]