لنتعلم من محمد بن راشد

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

بعد أن فرغت من قراءة كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، «علمتني الحياة-الجزء الأول» راودتني مشاعر عدة، تتراوح بين الدهشة والشغف والأمل، ووجدت نفسي مرة ثانية أمام كلمات لا يمكن لأي قارئ إلا أن يقتبسها ويستعيدها مرة تلو الأخرى في مختلف مراحل الحياة، كلمات بسيطة وسلسة، حكمة تحلق بالوجدان في سماء المعنى، والأهم أنني وجدت نفسي مرة ثالثة أمام أسئلة عدة فرضها الكتاب بقوة، قادني شعور الشغف إلى أن أسأل: ماذا سيكتب الشيخ محمد في الجزء الثاني من الكتاب؟
هذا السؤال مبني على سؤال حضرني وأنا أقرأ الصفحة تلو الأخرى، حيث كنت أسأل: هل ترك الشيخ محمد شيئاً لم يتحدث عنه؟ ثم وجدت نفسي أمام تحدٍ: ماذا يمكن أن أكتب عن هذا الكتاب؟ والسؤال الأهم الخاص بي: ماذا تعلمت من الشيخ محمد؟
يفتح الشيخ محمد بن راشد في «علمتني الحياة» نافذة الشغف على مصراعيها، لا يتركك كل فصل، بل كل جملة، إلا وتجد نفسك متأملاً مفكراً في معاني الكلمات ومبانيها، ما هو مكتوب مباشرة، وما هو كامن بين السطور، فالنص يتكون من طبقات، والحكمة تسابق الحكمة، ولا تنتهي من ترديد جملة وتدبر معناها حتى تدخل في حوار فكري مع جملة أخرى، والزخم يحيط بك من جوانبك كلها.
متعة الأسلوب وبساطته يورطان عينيك، ولا يتركان لك فرصة لفعل شيء، أنت هنا في حضرة كلمات الشيخ محمد، وبقوة الكلمات وعذوبتها وصدقها وقدرتها على التسلل السريع إلى قلبك لا تجد نفسك مهموماً بشيء آخر إلا ملاحقة الكلمات واستيعابها.
مع الشيخ محمد لا نهاية، للشغف، أنت أمام تجربة حياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهي ليست مثل أي حياة، إنها تجربة الشيخ محمد، ولذلك نحن أمام كتابة مختلفة، تستمد أصولها وفصولها من خبرة 60 عاماً مع رجل أصبحت أفعاله علامة عليه وعلى إنجازاته، رجل ملأ الدنيا وشغل الناس، وها هو يملأ عقلك ويشغل وجدانك في هذا الكتاب، فأنت في كل فصل على موعد مع معطى جديد.
مثلاً، في هذا الفصل يصحبك السياسي، يبوح بالحكمة ويمنح جميع السياسيين وصايا ذهبية تفيد في العمل والبناء، وفي فصل آخر نكون برفقة فيلسوف يحدثنا برؤى ثاقبة عن قوانين الحركة وأهمية الجمال وضرورته في الحياة لمحاربة كل القبح الذي يحيط بالبشر. وفي فصل رابع تجدنا أمام قائد يوجه فرق العمل وينصحنا بضرورة العمل الجماعي. وفي فصل خامس نسمع صوت المفكر المهموم بقضايا أمته وضرورة أن تتقدم وتجد مكانها اللائق بين شعوب العالم.
أضف إلى ذلك، نحن في حضرة المثقف الذي يتكلم بعشق عن القراءة وأهميتها، وعالم الإدارة المحلل للفساد ومخاطره ويحذرنا من كلفة تبعاته وسلبياته التي تنخر عظام بعض البلدان، وهناك الشاعر الذي يكتب عن الحب بمسحة بها قبس من تصوف، وخلف كل هذا حس إيماني عميق بالله وبقدرات الذات الحضارية وبكنز يتمثل في الشباب والأجيال الجديدة، فضلاً عن روح متفائلة لا حدود لثقتها بالغد أو تحليها بالأمل.
مع الشيخ محمد مرة ثانية لا حدود للشغف، وهو لا يكمن في إحاطته الموسوعية أو تجربته الثرية فحسب، ولكن هناك الأسلوب، السهل الممتنع، السلس الشديد العذوبة أيضاً.. في هذا المكان يتحدث الشيخ محمد بضمير المتكلم، وفي موقع آخر يتكلم بضمير المخاطب، وتجده هنا يقول للقارئ يا أخي، وهناك يا صديقي، أما الروح المهيمنة على الكتاب فهي أخلاقية إنسانية، وهما بعدان يكملان تجربة الشيخ محمد، كما يقول هو في أكثر من موقع، ويلفت إلى أن حياة القائد لا تُبنى على السياسة والاقتصاد وحسب ولكن لا بد لها من أساس أخلاقي وانفتاح على كل الآخرين بتواضع ومحبة.
في هذا الكتاب يهب الشيخ محمد تجربة قلب وخبرة عمر للجميع بكل تواضع، ويثير عقولهم ويحثها على التفكير بكل محبة، والأهم يمنحهم الثقة بالمقبل، فهذا قائد تتحدث أفعاله عنه، وعندما نقرأ أقواله ونطالع رؤيته نمتلئ طمأنينة وثقة بالقادم الأفضل.
في كل موقف يعلمني الشيخ محمد شيئاً جديداً، ومع كل مقولة أو رؤية أو كتاب يعلمني شيئاً مختلفاً. وأظن أنني تعلمت الكثير من كلمات الشيخ محمد في هذا الكتاب، وتوقفت لأفكر وأسأل نفسي السؤال تلو الآخر، عن الحياة والإنسان والتجارب الحضارية والمجتمع وأساليب النهضة وغيرها الكثير من الأسئلة التي طرحت نفسها بقوة من سطور هذا الكتاب. ويبقى الشغف مؤرقاً لمعرفة ماذا سيعلمنا الشيخ محمد في الجزء الثاني من الكتاب؟
وتظل كلمات سموه الصادقة إرثاً يمكث في الأرض ونبراساً للبلاد والعباد.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"