صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
رائد برقاوي
رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة الخليج
أحدث مقالات رائد برقاوي
11 مايو 2026
بتوقيع محمد بن راشد

دبي عصب اقتصادي، ونقطة لقاء تجاري، ومركز أعمال عالمي، لا تتوقف عن الابتكار حتى في الأيام الاستثنائية، تفكر، تخطط، وفي النهاية تجد الحلول دائماً، وهي حلول تتجاوز المألوف والصعاب، وتصل إلى مبتغاها برشاقة، بتوقيع قيادتها التي لا تعرف المستحيل.

دبي قبل أن تكون مركز أعمال عالمياً، هي عقدة عالمية في التجارة، والمدن التجارية مرتبطة دائماً بالموانئ والمطارات والبنية التحتية، فهي شريانها الممتد إلى قلبها لتجعله نابضاً لا يتوقف.. هذه الشرايين، تمر الآن بمعوقات بسبب الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على الإمارات ودول الخليج، وما رافقها من اختطاف لمضيق هرمز الحيوي.

هذا الاعتداء وذلك الاختطاف، أديا إلى اختلال في سلاسل التوريد في المنطقة والعالم، ودفعا أسعار التأمين إلى القفز مرات عدة لمواجهة مخاطر الحروب، ما يعني تأثيراً كبيراً في حركة الشحن وأسعاراً أعلى على الموردين والمستهلكين معاً.

لكن دبي وجدت الحل، وكان أيضاً على طريقتها، إذ قررت توفير مظلة تأمينية للشحن البحري والجوي والبري القادم إلى أو من أو عبر دبي.. مظلة تصل تكلفة تغطية الشحنة الواحدة فيها إلى 400 مليون دولار، والحاوية براً إلى مليون دولار.

هذه المبادرة التأمينية التي قررتها دبي، عبر شركتها العملاقة التي تدير عشرات موانئ العالم «دي بي ورلد» ليست وليدة اللحظة، إنها ابتكار مسجل باسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي أطلق الخطوة ذاتها في حرب الخليج الأولى في الثمانينيات إبان اشتعال مياه الخليج خلال ما يسمى «حرب الناقلات» عندها تضررت التجارة وأحجمت سفن الحاويات عن الوصول إلى موانئ المنطقة بسبب أسعار التأمين، فأعلن سموه عن توفير حكومة دبي مظلة تأمينية شاملة للشحن بمبلغ 10 مليارات دولار، بما يوازي أكثر من 100 مليار بأسعار هذه الأيام.

يقول سموه في كتابه «قصتي»؛ «أذكرُ في الثمانينيات، خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما بدأت (حرب الناقلات)، وارتفعت أسعار التأمين على السفن التي تدخل الخليج لمستويات جنونية، وضعت شركات التأمين العالمية موانئنا ضمن (مناطق الحرب)، وهذا يعني عملياً توقف الملاحة والقيام بمخاطرة مالية لا تستطيع أغلب الشركات تحمُّلها.. اجتمعتُ مع والدي الشيخ راشد، وقررنا أن دبي لا يمكن أن تقف متفرجة.. كان القرار هو أن نضمن نحن في حكومة دبي هذه الســـفن. قلتُ للمسؤولين في الميناء: أخبروا شركات الملاحة العالمية بأن دبي ستغطي التأمين، وأن موانئنا آمنة، ونحن المسؤولون عن سلامة السفن.. كان الكثيرون يرون في ذلك مخاطرةً كبرى، لكننا كنا نعرف أن البديل هو الموت الاقتصادي لموانئنا. كانت النتيجة أن السفن استمرت في القدوم، وبقي ميناء جبل علي ينبض بالحياة بينما كانت موانئ أخرى في المنطقة تعاني من الشلل. لقد كان رهاناً على الثقة، وقد كسبنا الرهان».

هذا هو الفارق بين من ينتظر الأزمات حتى تمر، ومن يحول الأزمات إلى فرص لترسيخ الثقة وتعزيز المكانة، دبي لا تدير اقتصادها بالخوف، بل بالرؤية. ولا تواجه التحديات بالتردد، بل بالقرار.

المستقبل لا يبنيه القلق، بل تبنيه الثقة، والرهان على المستقبل يحتاج إلى قيادة تمتلك الشجاعة والبصيرة معاً، وهذا تماماً ما تفعله دولة الإمارات.. لتبقى دائماً في المقدمة، وفي أفضل موقع، مهما تغيرت الظروف وتعاظمت التحديات.

[email protected]

6 مايو 2026
صناعة الإمارات.. حصنها الاقتصادي

لم تعد الصناعة خياراً تنموياً فحسب، بل غدت واجباً وطنياً وركناً أصيلاً في منظومة حماية الوطن وصون مكتسباته. وكما يقف الجندي على الحدود، وتحرس قواتنا سماء الوطن وبحاره، تقف الصناعة الوطنية في خط الدفاع الأول عن أمننا الاقتصادي، تحميه، وتعزّز مناعته، وتدفعه بثبات نحو مزيد من القوة والاستدامة. فالصناعة ليست مجرد قطاع إنتاجي، بل هي سياج الوطن المنيع، وحصنه الاقتصادي الأمين، ورافعة تنميته الراسخة.

كل من يزور معرض «اصنع في الإمارات» المقام حالياً في أبوظبي، يخرج مرفوع الرأس، مفعماً بالفخر، وهو يشاهد ما بلغته الصناعة الإماراتية من تطور نوعي وتقدم تقني وتخصص متقدم.. هنا لا نرى مجرد منتجات معروضة، بل نرى قصة وطن آمن بقدراته، واستثمر في إنسانه، وراهن على مستقبله.

نرى صناعة إماراتية باتت حاضرة في الطائرات ومكوّناتها، وفي المعدات وتجهيزاتها، والاتصالات والمواصلات، وفي الأجهزة الدقيقة، وفي الغذاء والدواء، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الفضاء. وإذا أضفنا إلى ذلك الصناعات الدفاعية، أدركنا أن ما تصنعه الإمارات اليوم ليس مجرد منتجات، بل عناصر قوة وسيادة واستقلال.

ما يراه الزائر في أروقة المعرض ليس سوى جزء من الصورة، أما الحقيقة الكاملة فتجلّت بوضوح في الميدان، واختبرتها الدولة في الظروف الدقيقة والتحديات الكبرى. خلال الاعتداءات الإيرانية السافرة على بلادنا، برهنت الصناعة الوطنية على صلابتها، وكشفت عن جاهزية عالية وقدرة لافتة على مواجهة اضطرابات سلاسل التوريد.

أثبتت الأحداث الأخيرة، عمق رؤية قيادتنا وبُعد نظرها، حين جعلت من بناء قاعدة صناعية وطنية أولوية استراتيجية، فما جرى كان اختبارا لقوة الدولة من الداخل، وجاءت النتيجة مشرّفة، تؤكد أن الرهان على الصناعة الوطنية كان في محله.

وإذا كانت الصناعة الإماراتية أثبتت كفاءتها في الميدان، فإن معرض «اصنع في الإمارات» يروي هذه القصة بلغة الإنجاز والأرقام عبر أكثر من 1245 شركة وطنية وعالمية تعرض قدراتها ضمن 12 قطاعاً صناعياً، في مشهد يعكس اتساع القاعدة الصناعية الإماراتية، وتنوعها، ونضجها.

سموّ الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، الذي يتابع هذا الملف الوطني الحيوي، أكد خلال زيارته للمعرض أن نهج قيادتنا يتمثل في وضع المنظومة الصناعية الوطنية على مسار متقدم، بما يرسخ مكانة الدولة حاضنةً للصناعات الحيوية.

يضيف سموّه: أولوياتنا؛ تحفيز الابتكار، وجذب الاستثمارات، وتطوير بيئة أعمال مرنة ومحفزة، بما يعزز تنافسية القطاع الصناعي ويدفعه إلى آفاق أوسع من النمو والتأثير.

أما بلغة الأرقام، فإن ما تحقق يتحدث بوضوح عن نفسه؛ إذ يقول الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، الذي يتابع بنجاح هذا الملف، إن مساهمة الصناعة في الاقتصاد الوطني باتت تبلغ 200 مليار درهم، فيما تبلغ الصادرات الصناعية 262 مليار درهم، منها 92 مليار درهم صادرات صناعية متقدمة.

الصناعة الإماراتية اليوم ليست مجرد قصة نجاح اقتصادي، بل مشروع سيادي بامتياز، عنوانه الاعتماد على الذات، ومضمونه قوة الدولة، وهدفه حماية الوطن في عالم لا مكان فيه إلا للأقوياء.

4 مايو 2026
لا تُتعبي المنطقة يا الإمارات..

بين 9-9-2009 و9-9-2029، لا تقاس المسافة بعشرين عاماً، بل بما أُنجز فيها.. هنا، على أرض الإمارات، لا يُحسب الزمن بالتقويم، بل بما يُنتزع منه من معنى، وما يُبنى داخله من أثر.. 20 عاماً بين تدشين أول مترو في دبي، وانطلاق خط جديد، والاستعداد لاستكمال شبكة مترو متكاملة بحلول 2032. لكن الحكاية، في جوهرها، ليست حكاية مترو، إنها حكاية دولة جعلت من الزمن مورداً سيادياً، ومن الإنجاز طريقاً لتعريف نفسها أمام العالم.

هذه التواريخ ليست محطات زمنية عابرة، بل علامات على مسار نادر في هذه المنطقة، بين 2009 و2029، لم تعبر الإمارات عقدين من الزمن فحسب، بل عبرت اختبارات قاسية، وأزمات عالمية، وتحولات إقليمية، وخرجت في كل مرة أكثر قدرة على الحركة، وأوسع أفقاً، وأشد تمسكاً بفكرة المستقبل. وهنا يكمن السر: الإمارات لا تتقدم رغم الأزمات، بل تتقدم عبرها. لا تنتظر انقشاع العاصفة كي تبني، بل تجعل من العاصفة نفسها لحظة تسريع، ومن الاضطراب منصة انطلاق.

في 2009، والعالم يعيش أزمة مالية طاحنة، ثبتت الإمارات نفسها بين الأمم الطموحة، وإذا كان مترو دبي أحد عناوين الازدهار في ذلك التوقيت، فإن الأمثلة لا تعد ولا تحصى.

بعد ذلك ب10 سنوات، واجهت البشرية أعتى جائحة في العصر الحديث، التي أرخت بظلالها على كل ركن وزاوية في هذا الكوكب. بالنسبة للإمارات، كان ذلك موعداً لمسيرة طموحة من الازدهار الذي لا يتوقف، والمشاريع الكبرى في شتى المجالات، من النفط والغاز، إلى الطاقة النووية، مروراً بالمشروعات العقارية الكبرى، والمراكز المالية العالمية.

واليوم، وفيما العالم يتلمّس تداعيات ما يجري في الشرق الأوسط، يدشّن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أعمال الحفر في أنفاق الخط الأزرق لمترو دبي. خط، يمتد 30 كيلومتراً، هي في الحقيقة تختصر 30 سنة بمقاييس الدول الأخرى.

بين 2009 و2019 و2029، قفزات إماراتية لا تضاهى، تختصرها صورة مترو دبي.. المشهد الإماراتي عنوان واحد، والتطوير المتسارع في أبوظبي يواكبه تقدّم كبير في دبي، وآخر في الشارقة أو رأس الخيمة، وصورة المترو نموذجاً لمشاريع البنية التحتية الفائقة في دبي تتكامل مع صورة مشاريع أدنوك العملاقة في أبوظبي.

وفي سياق عنوان «تسريع المشاريع» للمرحلة المقبلة، فإن أمام شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، ورشة تطوير تاريخية، هي الأكبر والأهم في تاريخها الممتد منذ عقود.

وقد أعلنت الشركة بالأمس تسريع تنفيذ خططها للنمو عبر استهداف ترسية مشروعات بقيمة 200 مليار درهم خلال 2026-2028 وذلك ضمن خطة الاستثمارات الرأسمالية الخمسية للشركة، وفي إطار التمهيد لمرحلة جديدة تنفذ فيها أدنوك مشروعات عالمية المستوى عبر كامل سلسلة القيمة لأعمالها للمساهمة في تلبية الطلب العالمي على موارد الطاقة.

قبل نحو الشهرين من الآن وعد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بأن الإمارات «بتخرج أقوى»، وها هي اليوم، أقوى، بعدما انتصرت في صد العدوان واليد الآثمة التي امتدت إليها، وهي الآن أشد عزيمة، وتواصل مسار التنمية والبناء والتطوير.

مع كل أزمة عالمية أو إقليمية، تجدّد الإمارات رسالتها بالفعل لا بالقول، ألّا عودة إلى الوراء، وبالتجربة لا بالتنظير، أن غداً في الإمارات دائماً أجمل، وأن الرهان على المستقبل هنا، وليس في أي مكان آخر.

هي فلسفة قيادة، ورؤية قادة، وحلم أجيال متعاقبة من أبناء الإمارات الغيورين على وطنهم، ليبقى الأجمل دائماً.

أما من يريد اللّحاق بركب الإمارات نحو المجد والعلا، فعليه أولاً أن يبدأ قبل عشر سنوات أو ربما 20 عاماً، وأن يتعب ويجد، والأهم أن يمتلك الجرأة.. جرأة الحلم وطموح العمل وفلسفة التحدي.. وأن يكسر قيود الوقت بثقافة «اللا مستحيل».

من يريد اللحاق بالإمارات يتعب، فهي دولة لا تملك أسرار النجاح فحسب، بل تصنعها، وتتحدى المستحيل. فمَن غير حكومة الإمارات يمتلك جرأة تبنّي استراتيجية تحويل 50% من الخدمات والعمليات الحكومية لتعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي «ذاتي التنفيذ» خلال عامين فقط؟

ومن أسرار نجاح الإمارات أنها تدرك أن العالم متغير، وأن الأدوات تتطور، وأن التقنيات تتسارع، وفي هذا السياق، يقول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «سيكون لدينا أفضل خبراء في العالم بالتحول الحكومي نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي.. سيبقى الهدف الأساسي الإنسان، وستبقى غايتنا خلق أفضل بيئة لإطلاق إمكاناته وتحقيق غاياته وبناء حياته الكريمة..».

الإمارات بلد التحولات الجذرية، والسباحة عكس التيار، والاستشراف، وتبنّي غير المألوف. وهذا يعني، أن كل ما رأيناه في الأعوام العشرين الماضية، لم يكن سوى البدايات، وأننا أمام مرحلة جديدة من القفزات الكبيرة التي ستضع الإمارات في مكانتها التي تستحق بين الأمم الطموحة.. الإمارات ستكون«غير» قريباً، لكن تبقى النصيحة الحقوا ولا تنتظروا كثيراً..

[email protected]

29 أبريل 2026
الإمارات و«أوبك».. حين يصبح الخروج ضرورة

اتجاهات

الإمارات لا تنتظر أحداً، ولا تبني قراراتها على إيقاع الآخرين، لأنها تدرك أن الدول التي تراهن على المستقبل لا تنتظر المترددين، بل تصنع موقعها بنفسها، وتمضي إليه بثقة وسرعة وحسم.

هذه هي القاعدة التي حكمت مسيرتها، في التنمية المحلية وفي العلاقات الدولية؛ دولة تعرف أن اختصار الزمن ليس رفاهية، بل ضرورة، وأن الاستثمار فيه هو جوهر مشروعها التنموي، وهو ما جعلها نموذجاً إقليمياً وعالمياً في سرعة الإنجاز ودقة القرار.

ومن هذا المنطلق، يجب قراءة قرار الإمارات بالخروج من منظمة «أوبك» وتحالف «أوبك بلس».

فهذا القرار ليس سياسياً كما حاول البعض تصويره، وليس موجهاً ضد هذا الطرف أو ذاك، ولا يعكس خلافاً مع قريب أو بعيد، بل هو قرار اقتصادي وتقني وسيادي بامتياز، فرضته المصلحة الوطنية الإماراتية، وحسمته لغة الأرقام لا حسابات السياسة.

الإمارات لم تقصّر يوماً في التزاماتها داخل «أوبك»، على العكس، كانت من أكثر الدول التزاماً، ومن أكثرها حرصاً على استقرار السوق النفطي العالمي، وقدّمت من أجل ذلك تنازلات حقيقية، تحملتها على حساب مصالحها الوطنية، دعماً لتماسك المنظمة وحفاظاً على توازن الأسواق.

لكن الدول لا تُدار بالعواطف، ولا تُبنى استراتيجياتها على المجاملة، بل على المصالح، والإمارات اليوم أمام معادلة لم يعد من المنطقي استمرارها: دولة تستثمر أكثر من 100 مليار دولار لرفع طاقتها الإنتاجية، ثم تُجبر على ترك جزء كبير من هذه الطاقة معطلاً تحت الأرض.

اليوم، يبلغ إنتاج الإمارات ضمن حصة «أوبك» نحو 3.4 مليون برميل يومياً، في حين تزيد قدراتها الانتاجية عن 4 ملايين برميل يومياً، ما يعني أنها تُحرم فعلياً من إنتاج أكثر من نصف مليون برميل يومياً.

هذه ليست فجوة رقمية هامشية، بل خسارة تشغيلية واقتصادية مباشرة، تتضاعف كلفتها حين نعلم أن الإمارات تنفذ منذ سنوات برنامجاً استثمارياً ضخماً تتجاوز قيمته 100 مليار دولار، لرفع قدرتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً، وقد سرّعت إنجازه إلى العام 2027 بدلاً من 2030.

كل ذلك معلن، وواضح، ومعروف للأسواق، وثابت في خطط «أدنوك»، أكبر منتج نفطي في الإمارات، وإحدى أكبر شركات الطاقة في العالم.

فما معنى أن تضخ دولة عشرات المليارات لتوسيع قدرتها الإنتاجية، ثم تُمنع من استخدام هذه القدرة؟

وما المنطق في أن تستثمر في التوسعة، ثم تفاوض لاحقاً على حقها في الاستفادة مما أنفقته أصلاً؟

هنا تحديداً يصبح الخروج من «أوبك» ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية.

استمرار الإمارات داخل المنظمة كان يعني ببساطة أن جزءاً من طاقتها الإنتاجية سيبقى حبيس الآبار، معطلًا، غير مستغل، رغم كلفته الاستثمارية الضخمة.

أما الخروج من المنظمة، فهو القرار الطبيعي الذي يحرّر هذه القدرة، ويعيد مواءمة السياسة النفطية للدولة مع مصالحها الفعلية، لا مع قيود لم تعد تخدمها.

ومن حق الجميع أن يقرأ القرار ويحلله، لكن ليس من حق أحد الاعتراض عليه، فالإنضمام إلى المنظمات والخروج منها حق سيادي خالص، لا يقبل الوصاية، والدول لا تُحاسب حين تدافع عن مصالحها، بل تُلام فقط حين تفرّط بها، والإمارات لا تفرّط بمصالحها.

ومع ذلك، فإن خروج الإمارات لا يعني تخليها عن مسؤولياتها في السوق العالمي، فقد أكدت بوضوح التزامها باستقرار السوق النفطي، واستمرارها في تلبية احتياجات شركائها، وهي التي رسخت عبر عقود مكانتها بوصفها مورداً موثوقاً للطاقة، وصاحب سجل ثابت في الالتزام والانضباط، فضلاً عن أن خامها من بين الأجود عالمياً.

لكن ما تؤكده الإمارات اليوم، بوضوح لا يحتمل التأويل، أن التزامها باستقرار السوق لا يعني أن تبقى مصالحها الوطنية رهينة قرارات لم تعد منسجمة مع قدراتها، ولا مع استثماراتها، ولا مع أولوياتها التنموية.

هذا القرار لا يفتح فقط فصلاً جديداً في السياسة النفطية الإماراتية، بل يفتتح مرحلة جديدة في سوق الطاقة، مرحلة تتحرك فيها الإمارات وفق قدراتها الفعلية، واحتياطاتها الضخمة التي تتجاوز 120 مليار برميل، والتزاماتها التي تقررها هي، لا غيرها.

أما «أوبك»، فلا شك أنها ستتأثر بخروج ثالث أكبر المنتجين من تحالفها، وستفقد أحد أكثر أصواتها اتزاناً وعقلانية، لكن من المتوقع أن تستمر المنظمة، وتسعى إلى ترميم هذا الفراغ، وربما إلى توسيع شراكاتها مع منتجين آخرين من خارجها.

غير أن الحقيقة الأوضح تبقى أن الإمارات لم تكن المستفيد الأكبر من «أوبك»، بل كانت من أكثر من ضحّى من أجل التحالف، ولذلك، لا يمكن القول إن الإمارات خرجت من «أوبك» بقدر ما يمكن القول إنها توقفت عن التضحية من أجل المنظمة.

الإمارات فعلت الصواب، وفي الوقت المناسب.

27 أبريل 2026
محمد بن راشد.. قائد منشغل بالغد

قبل ستة وثلاثين عاماً، وتحديداً في عام 1990، كانت المنطقة تقف على حافة نارٍ كبرى، غزو العراق للكويت الشقيقة، طبولُ حربٍ تُقرع، حشودٌ عسكرية من مختلف دول العالم، وغيومٌ جيوسياسية كثيفة تُظلل الخليج العربي كله، فيما كانت المنطقة تخرج مُنهكة من أوزار الحرب العراقية الإيرانية، محمّلةً بالقلق، ومفتوحةً على كل الاحتمالات.

في تلك اللحظة العاصفة، وفي جنوب الخليج العربي، وتحديداً في دولة الإمارات العربية المتحدة، كان هناك قائدٌ شاب، يتولى وزارة الدفاع، لكنه كان يرى أبعد من الدخان، وأبعد من هدير المدافع، وأبعد من ارتباك اللحظة.. كان يرى المستقبل.

في دبي، وبينما كانت المنطقة تتهيأ لحرب تحرير الكويت، وحشود أكثر من ثلاثين دولة تستعد لمعركة كبرى، والجاليات الأجنبية تعيش قلق الرحيل، وسفن الإجلاء تُجهّز على عجل، كان صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يفكر بطريقة مختلفة تماماً، لم يكن منشغلاً بضجيج اللحظة، بل كان منشغلاً بما بعدها، لم يكن أسير الخوف، بل كان صانعاً للأمل، ولم يكن يقرأ المشهد بعين القلق، بل بعين القائد الذي يعرف أن الأوطان العظيمة لا تُبنى بردود الأفعال، بل تُبنى بالإرادة والثقة والرؤية.

في تلك الأجواء الملبّدة، أعلن عن مشروع بدا غريباً على المنطقة في ذلك الوقت، بل وربما بدا للبعض أقرب إلى المغامرة: منتجع جولف فاخر، بمئات الملايين، على ضفاف خور دبي، في قلب المدينة، مشروعٌ ترفيهي، نعم، لكنه في جوهره كان إعلاناً سيادياً بلغة التنمية، رسالة واضحة تقول: نحن لا نبني لزمن الحرب، بل لزمن جميل قادم، نحن لا نُدار بالخوف، بل نقود بالثقة، نحن لا ننتظر أن تهدأ العواصف كي نتحرك، بل نبني وسط العاصفة، لأننا نعرف أن المستقبل لا ينتظر المترددين.

كان ذلك المشروع أكثر من مجرد وجهة سياحية، كان بياناً سياسياً بصيغة اقتصادية، وكان إعلاناً مبكراً عن فلسفة إماراتية راسخة: أن البناء هو الرد الأقوى، وأن التنمية هي اللغة الأذكى، وأن ثقة الأمم بنفسها هي أول شروط انتصارها.

اليوم، وبعد ستة وثلاثين عاماً، يعود صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بذات الرؤية، وبذات اليقين، ولكن بثقةٍ أكبر، وتجربةٍ أعمق، وإيمانٍ أصلب، يعود ليعلن عن مشروعٍ عملاق، لا يشبه إلا دبي، ولا يليق إلا بها، مشروعٌ تتجاوز قيمته ميزانيات دول، وتناهز كلفته تسعة مليارات دولار، لتوسعة شبكة مترو دبي، بإضافة أنفاق ومسارات تمتد لأكثر من 42 كيلومتراً، لتربط دبي الجديدة بدبي المستقبل.

مرةً أخرى، يخرج السؤال ذاته، وإن بصيغة مختلفة: لماذا الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت تحديداً؟ وماذا تريد دبي أن تقول للعالم، والمنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، بعد الاعتداءات الإيرانية الإرهابية على دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات؟ والجواب بسيط وواضح وحاسم. دبي لا تؤجل المستقبل، هذه هي الرسالة.

صحيح أن مشروع توسعة المترو ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة دراسات عميقة، وتخطيط ممتد، ورؤية مؤسسية طويلة النفس. وصحيح أيضاً أن بالإمكان تأجيل الإعلان، ريثما تتضح الصورة الجيوسياسية بشكل أكبر. لكن دبي لا تُدار بمنطق الانتظار. ودولة الإمارات لا تُعلّق قراراتها على ضجيج الإقليم. والقادة الكبار لا يربطون مصير التنمية بارتباك اللحظة.

أراد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، أن يعلن المشروع الآن، بنفسه، وفي هذا التوقيت تحديداً، لأن الرسالة يجب أن تكون واضحة وصريحة ومباشرة: الإمارات واثقة، الإمارات جاهزة، الإمارات لا تتردد، الإمارات تمسك بالمستقبل بيدٍ ثابتة، وتدير الحاضر بعقل الدولة، وتواجه التحديات بثقة الكبار.

هذه الثقة ليست شعاراً، إنها نتيجة دولة يقودها صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، برؤية القائد، وصلابة الدولة، وهدوء الحكماء، دولة تمتلك من الكفاءة والجاهزية ما يجعلها قادرة على حماية منجزها، وصيانة مكتسباتها، ومواصلة تقدمها بثبات، دولة بلغت مؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية مستويات متقدمة من الكفاءة والتنسيق والجاهزية، ودولة يملك اقتصادها من المرونة والشراكات والقوة، ما يجعله الأكثر حيوية في المنطقة، والأقدر على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى انطلاقة جديدة.

صحيح أن المنطقة دفعت أثماناً باهظة جراء الاعتداءات الإيرانية الإرهابية، وصحيح أن التوترات تركت كلفة سياسية واقتصادية وأمنية، لكن الصحيح أيضاً أن هذه ليست نهاية المشهد.

إنها لحظة عابرة في تاريخ المنطقة، أما الثابت، فهو أن صوت العقل سينتصر، وأن منطق الدولة سيبقى أقوى من منطق الفوضى، وأن البناء، في النهاية، سيعلو على الدمار، وأن التنمية ستنتصر على التخريب، وأن المستقبل، كما كان دائماً، سيكون من نصيب الذين يملكون الشجاعة ليبنوه، وهنا تكمن قصة الإمارات، لا ترفع صوتها فوق الضجيج، بل ترفع مشروعها، لا ترد على القلق بالكلام، بل بالإنجاز، لا تواجه العواصف بالشعارات، بل بالعمل، وحين ينشغل الآخرون بقراءة احتمالات الخطر، تنشغل الإمارات بالغد.

هكذا كانت، وهكذا هي، وهكذا ستبقى، دولة لا تخاف المستقبل، لأنها تصنعه.

20 أبريل 2026
نعم وبكل وضوح.. انتصرت الإمارات

يراودني أحياناً سؤال، أو مجموعة من الأسئلة، وأنا أقود سيارتي، حين يظهر أمامي من بعيد ذلك المشهد الساحر لإحدى مدن الإمارات الجميلة، حيث لا تخفي الأيقونات المعمارية ملامحها. كيف ينظر «الآخر»، على الضفة الأخرى من الخليج العربي، إلى هذا العمران والازدهار؟ وهل يتساءل: كيف يمكن استنساخ هذه التجربة؟ إنه سؤال طبيعي، خاصة أن ذلك الآخر تأخر كثيراً عن ركب التنمية والنهضة والتقدم العلمي.

لكن، وللأسف، لم يكن تفكير ذلك «الآخر» منصباً على البناء والتطوير، بل على الهدم والتدمير، وإيذاء جاره المسلم الذي مدّ له يد العون حين تخلى عنه العالم. أي منطق يمكن أن يفسر هذا المسار؟

مع هذه التساؤلات، تتولد أسئلة أخرى: ماذا لو تعرّضنا لاعتداء من هذا الطرف؟ هل يمكن مواجهته مع الحفاظ على منجزاتنا التي كلفت الكثير؟ وهل نمتلك من القدرات الدفاعية ما يكفي لحماية هذه الإنجازات الممتدة في كل مدن الإمارات؟ لم تكن لدي إجابة واضحة، رغم أن الاحتمالات كانت تميل إلى الطمأنينة، إلى أن «حدث ما حدث»، لتتضح الحقيقة: الإمارات كانت، وما زالت، جاهزة في الرخاء وفي مواجهة التحديات، مهما يكن حجمها أو مصدرها.

بعد 40 يوماً من الاعتداءات، ماذا يمكن أن نقول بصوت مرتفع، نعم انتصرت الإمارات في مواجهة الارهاب الإيراني. قد يدّعي «الآخر» النصر، لكن روايته باتت مكشوفة، فهي مجرّد خطاب موجّه للاستهلاك الداخلي، يهدف إلى حفظ «ماء الوجه» وإبقاء صورة القوة قائمة. هكذا تفعل الأنظمة الأيديولوجية والاستبدادية، تكرّر السرديات حتى تترسخ، مهما ابتعدت عن الواقع.

لكن، كيف انتصرت الإمارات؟

سياسياً، جاء الانتصار نتيجة رؤية استشرافية واضحة، قرأت المشهد الجيوسياسي بدقة، واستعدّت مبكراً للتحديات. تحرّكت الدولة بسرعة لتشكيل موقف دولي داعم ومندّد بالاعتداءات، مؤكدة صمودها كونها دولة ذات سيادة، لا تُستباح، ولا تُرهب.

وفي قلب هذا المشهد، برز دور القائد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، كعامل حاسم في توجيه مسار الأحداث. لم تكن القيادة مجرد إدارة أزمة، بل قيادة واثقة صنعت الفارق بين ردّ الفعل والمبادرة. بحضورٍ مباشر، وقرارات محسوبة، ورؤية بعيدة المدى، قاد الدولة بثبات في أصعب اللحظات، محافظاً على توازن دقيق بين الحزم العسكري والحكمة السياسية، مؤكداً أن الإمارات قادرة على حماية مكتسباتها وإدارة التحديات بعقل الدولة وقوة الإرادة.

عسكرياً، تحققت أولى مؤشرات التفوق منذ الساعات الأولى. فرغم أكثر من 500 هجوم خلال أقل من 36 ساعة، استهدفت البنية التحتية المدنية بهدف بث الذعر، فإن منظومات الدفاع الجوي الإماراتية أظهرت كفاءة عالية، ونجحت في اعتراض نحو 96% من التهديدات. ومع مرور الوقت، تحوّل الهجوم إلى عامل كشف لقدرات دفاعية متقدمة أبهرت المتابعين.

اجتماعياً، تجلّى التماسك بصورة استثنائية،. مواطنين ومقيمين... بروح واحدة. تلاحم إنساني عابر للثقافات، عبّر عن نفسه في الالتزام، في التعاون، وفي الثقة بالمؤسسات. هذا المشهد لم يكن عابراً، بل كان انعكاساً لعلاقة متينة بُنيت عبر سنوات، جعلت من الإمارات وطناً ثانياً لملايين البشر، لا مجرد مكان للعمل أو الإقامة. لذلك، عندما جاءت اللحظة الصعبة، كان الرد طبيعياً: البقاء، الصمود، والمشاركة في حماية هذا الاستقرار.

كان هذا الثبات المجتمعي رسالة في حد ذاته، لا تقل قوة عن أي إنجاز عسكري أو اقتصادي. رسالة تقول إن ما بُني في الإمارات لم يكن بنية تحتية فقط، بل نسيج إنساني متماسك، قادر على مواجهة الأزمات بثقة، وعلى تحويل التحدي إلى لحظة وحدة حقيقية.

مدنياً، أثبتت مؤسسات الدولة جاهزيتها. استمرت الحياة اليومية بانضباط ملحوظ، وأدت أنظمة الإنذار المبكر دوراً مهماً في حماية الأفراد، بينما تعاملت الجهات المختصة بكفاءة مع التحديات الرقمية والإعلامية، مع الحفاظ على قدرٍ عالٍ من الشفافية والمسؤولية.

اقتصادياً، كان المشهد لافتاً. خلال أربعين يوماً من الاستهداف، لم يشهد الاقتصاد اضطراباً يُذكر. لم تظهر مظاهر هلع، ولا نقص في السلع، ولا تعطّل في الأسواق. بل استمرت الدورة الاقتصادية بكفاءة، وكأنها تعمل ضمن وضع طبيعي مُعزّز، لا في ظل أزمة.

ما حدث لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم استراتيجي طويل. تنويع اقتصادي حقيقي، وبنية تحتية مصممة لتحمّل الأزمات، ومؤسسات تعمل بعقلية الجاهزية الدائمة، لا بردّ الفعل.

كشفت هذه المرحلة عن عنصر حاسم: الثقة. ثقة المجتمع بمؤسساته، وثقة الأسواق بالاقتصاد، وثقة المستثمرين بقدرة الدولة على الإدارة السريعة والفعالة. هذه الثقة، غير المرئية، كانت أحد أهم عوامل الصمود.

نموذج الامارات انتصر بكل ما يحمله الانتصار من معانٍ، وهو انتصار للمنطقة والعالم، انتصار للإنسان المثابر المنفتح المتسامح الذي يبني التنمية ويصدّر الازدهار، في مقابل خسارة مريرة للأيدولوجيا الضيقة التي تسعى إلى القتل والتدمير عبر اختطاف الدين وتصدير الثورة بحجج وشعارات واهية.. إنها الإمارات دولة الازدهار والصمود تقول للعالم، إنها ستكتب فصلاً جديداً لغدٍ أفضل.

[email protected]