يوبيل فضي لحكايات الرحّالة

00:09 صباحا
قراءة دقيقتين

اليوبيل الفضي لملتقى الشارقة الدولي للراوي يضعنا في بحر مترامي الأطراف عنوانه «حكايات الرحّالة»، وهو الأدب المتنقّل، إن جازت العبارة، ذلك أن الرحّالة يروي الحكايات حول ما يراه، ويسمعه، ويعيشه في رحلته أو في رحلاته المتنقلة من بلدٍ إلى آخر، ومن قارة إلى أخرى، وبذلك، هو كاتب الأمكنة وآهليها وسكانها في بيئاتهم الاجتماعية، والثقافية، والزراعية، والحرفية، والمعمارية، وهي فضاءات مكانية جاذبة للكتابة ومحرّضة عليها.
عدت في مناسبة هذا الملتقى النوعي في ذاكرة معهد الشارقة للتراث إلى قوائم الرحالة في العالم، لأجد أن هناك قوائم أخرى تقع تحت وصف «المستكشفين»، وربما من المهم أن يجتهد المرء هنا في ضرورة التفريق المهني والثقافي بين (المستكشف)، وبين «الرحّالة»، فالأول من وجهة نظر اجتهادية يقوم بعمل وظيفي محدّد يتصل بمعرفة المكان الذي يستكشفه جغرافياً، ثم اجتماعياً، وبالتالي، سياسياً، أي أن المستكشف هو رحّالة في حقيقته، ولكنه لا ينشغل بالكتابة من ناحية أدبية أو ثقافية، بل يرى ويدوّن، وبالتالي، يمهّد لوظائف أخرى قد تكون استعمارية أو استيطانية، أو تبشيرية من نواحٍ أيديولوجية، أو عقائدية، في حين أن الرحّالة له حقل آخر أدبي، وصفي، وأحياناً جمالي، يختلف كلياً عن حقل المستكشف.
كريستوفر كولومبوس ليس رحّالة، على سبيل المثال لا الحصر، وبالنظر إلى كونه ينحدر من عائلة تجّار، فإن رحلته ليست بحثاً عن آداب وثقافات وعادات وميثولوجيات وأساطير الشعوب في أقصى الشرق، في حين أن ابن بطوطة، الرحّالة العربي بدوافعه الفضولية لمعرفة ثقافات وحياة البلدان التي رآها، والناس الذين عايشهم هو كاتب، يتنقل من أفق معرفي أدبي ثقافي إلى أفق آخر، وفي كل الأحوال لم تكن لرحّالتنا العربي هذا أي ارتباطات سياسية أو تبشيرية أو استكشافية.
في كل الأحوال، فإن الجغرافيا هي الحيّز المكاني المشترك بين المستكشف، وبين الرحّالة الرّاوي، لكن لكل من الاثنين: المستكشف والرحّالة جغرافيته الخاصة، ولأقل، جغرافيته المهنية الخاصة، وربما من هنا جاء مصطلح «الأدب الجغرافي»، وهو الأدب الذي ينتجه الرحّالة، في حين أن المستكشف ليس منشغلاً جذرياً بالأدب، بل هو جامع معلومات، ورسّام خرائط، ودليل غير معلن لمن يأتي بعده للوقوف على الأرض التي استكشفها، أو بالأحرى اكتشفها.
الرحّالة في حقيقته يروي ويحكي، بينما المستكشف يعاين ويجمع معلومات، وإن كان المستكشف هو الآخر، أحياناً، راوي حكايات، ولكنها في المجمل، ليست حكايات الرحّالة.
تركز هذه الدورة الفضية لملتقى الشارقة الدولي للراوي على حكايات وثقافة وتاريخ رحّالة من الإمارات والخليج العربي، وهي في المجمل أدب فطري أبيض عظيم القيمة الجمالية واللغوية والتراثية، أدب يحتاج إليه الشاعر، والروائي، والمسرحي، والباحث في تاريخ الجغرافيات الثقافية العالمية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"