منذ تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945، وإلى اليوم، لم يتردد على منصب أمانتها العامّة سوى تسعة من سياسيي ودبلوماسيي العالم، بينهم عربي واحد هو بطرس غالي، الأمين العام السادس للأمم المتحدة في الفترة من 1992 إلى 1996، لكن يشار دائماً إلى شخصية عاشرة في تاريخ الأمناء العامّين لهذه المنظمة الدولية التي ولدت مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الإنجليزي غلادوين جيب لكن، رسمياً جاءت فترة توليه الأمانة العامة للأمم المتحدة بصفة مؤقتة من 24 أكتوبر 1945 إلى 1 فبراير 1946.
عملياً، الأمناء العامّون للمنظمة الدولية هم هؤلاء التسعة: أنطونيو غوتيرش (البرتغال)، بان كي مون (كوريا الجنوبية)، كوفي عنان (غانا)، بطرس غالي (مصر)، خافيير بيريز كويار (البيرو)، كورت فالدهايم (النمسا)، يو ثانت (ميانمار)، داغ همرشولد (السويد)، تريغف هالفدان لي (النرويج)، وهكذا لم يصل إلى أمانة الأمم المتحدة إلى اليوم أي شخصية أمريكية، أو فرنسية، أو روسية، أو صينية، خلافاً لما يشهده مجلس الأمن الدولي من هيمنة مثل هذه الدول، واستحواذها على «الفيتو» الذي تتحكم به أربع أو خمس دول فقط، وبالتالي، تتحكم هذه الدول المحدودة بمصائر وقرارات العالم كلّه، الأمر الذي لا ينطبق على آليات عمل الأمم المتحدة التي لا يستخدم أعضاؤها «الفيتو» الذي أصبح اليوم مأساة الكثير من بلدان وشعوب العالم.
لم تمنح الولايات المتحدة الأمريكية، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تأشيرة دخول ليخاطب العالم من نيويورك في أكبر تجمّع سياسي ودبلوماسي وإعلامي تتحدث فيه شخصيات رئاسية واعتبارية على مدى أسبوع، وسمحت للرئيس الفلسطيني باستخدام الفيديو من رام الله، الأمر الذي يختلف تماماً رمزياً ومعنوياً وإعلامياً عن خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1974، وكان خطاب عرفات طويلاً ومؤثراً ويحمل طاقة كاريزمية دولية استشعرها العالم من خلال هيئة وصورة الرجل الذي وقف على أكبر منابر العالم بثياب الكاكي العسكرية الزيتونية، وبكوفيته الفلسطينية، وكان ذلك في عهد كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة في الفترة من 1972 وإلى 1981.
الأرجنتيني آرنستو تشي جيفارا وقف على منبر الأمم المتحدة أيضاً بثيابه العسكرية ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكان ذلك في عام 1964 في عهد يوثانت الأمين العام للأمم المتحدة في الفترة من 1961 وحتى 1971.
الأمم المتحدة كيان سياسي دولي إعلامي وثقافي أيضاً على نحو ما، وهو أحد الكيانات الأممية المكوّنة لتاريخ العالم الحديث، وفي أروقة الأمم المتحدة، وعلى منبرها الخطابي الكاريزمي، وفي قاعتها المفتوحة على وفود الدول وأمزجتها وطبائعها الانفعالية جرت الكثير من القصص والوقائع والحكايات المدهشة أحياناً، والغرائبية أحياناً أخرى، وكانت مادة ثمينة للكثير من الصحفيين الذين بنى بعضهم مجده المهني على تاريخ وروايات بيت العالم في نيويورك، مربط خيل السياسة والصحافة وعشاق الخطابة، والدبلوماسية الهادئة، والغاضبة أحياناً.