في زيارةٍ للعاصمة الروسية، موسكو، دعاني أحد الأصدقاء لأن أحضر معه منتدى دولياً للمحامين والاقتصاديين يناقش المشاكل الراهنة في عالمي القانون والاقتصاد، تُنظمّه، سنوياً، جامعة كورتافين للقانون في موسكو.

ترددتُ في تلبية الدعوة ربما لشعوري أن الموضوع بعيد بعض الشيء عن دائرة اهتماماتي المباشرة، ولكنه قال: سنحضر جلسة الافتتاح فقط، وهذا ما فعلناه، فاستمعنا إلى مداخلات مهمّة لمختصين وأكاديميين من بلدان أوروبية ولاتينية وعربية، ومن روسيا نفسها بالطبع، فشعرت بالامتنان لهذا الصديق الذي أتاح لي التعرف على زوايا مختلفة في متغيرات العالم، وفي مقاربات عميقة لمسائل من نوع الذكاء الاصطناعي وما بات يعرف ب«دبلوماسية الشبكات».

أحد الأكاديميين المشاركين، وهو يتناول دور الذكاء الاصطناعي في وضع طلبة الجامعات لأبحاثهم، قال إنّ هذا الذكاء يورد في بعض الحالات معلومات ومعطيات ينسبها، عند سؤاله عن أمرها ومن أين أتى بها، إلى مراجع معينة، ولكن عند التحري نكتشف أن لا وجود لها في الواقع، ما يجعلنا أمام شكلٍ من التزييف والخداع.

الرجل نفسه طرح السؤال المهم التالي: هل يساعد الذكاء الاصطناعي في تطوير المعرفة وإغنائها؟ وأجاب: «نعم. إنه يفعل ذلك»، ولكن على هذا يترتب السؤال المهم التالي: إلى أي مدى سيؤثر ذلك في قدرات العقل البشري، الذي سيتخلى عن مهام يقوم بها الآن، ليعهد بها إلى الذكاء الاصطناعي كي ينجزها بالنيابة عنه، وهو أمر سيبلغ في المستقبل مستويات لا نتوقعها، وبالتالي قد تقلّ مهارات هذا العقل مع تراجع توظيفه في حلّ ما يواجهه الإنسان من مشاكل؟ لم يقدّم المتحدث جواباً قاطعاً عن السؤال، لا بالنفي ولا بالإيجاب. اكتفى بالقول إن ذلك بحاجة إلى بحث من العلماء والمختصين وحتى من علماء النفس، علّنا نبلغ إجابة قد تطمئننا وقد لا تفعل.

قضية أخرى وقف عندها متحدثون آخرون، هي ما بات يُعرف ب«دبلوماسية الشبكات»، أو «الدبلوماسية الرقمية»، وهو مفهوم حديث النشأة، كإحدى ثمار الثورة الرقمية التي غطت مجالات كثيرة، ويقصد بها استخدام الأدوات والوسائط الرقمية في العلاقات الخارجية للدول والتواصل بين الشعوب، وتبادل المعلومات، بل إنه حديثاً يدور عن انتقال مراكز الثقل في الممارسة الدبلوماسية من السفارات إلى المنصات الرقمية، تبعاً لما يتيحه التطور التكنولوجي من شفافية للمعلومات وتدفقها دون الحواجز التقليدية التي كانت تحول بينها وذلك.

وكما أن كلّ شيء في العالم يتغير بوتيرة من السرعة غير المعهودة، فإنه تترتب على دبلوماسية الشبكات مظاهر جديدة للتواصل بين الشعوب والأمم. صحيح أنه تواصل نشأ منذ قرون، لكنه كان محكوماً بديناميكيات أخرى، بينها الغزوات والهيمنة والهجرات والسفر، وكما في الماضي لا يخلو التواصل الرقمي من مخاطر المعلومات المضللة المُثيرة للتوترات والمُزيّفة للوقائع.

[email protected]