انتماءُ الحرب إلى السّياسة والنّظر إليها بما هي فعْلٌ من أفعال السّياسة، وإن جرى بوسائلَ ناريّة، يسمح بالظّنّ أنّها ستكون محكومة، ضرورة، بما تنحكم به السّياسة من قواعدَ أوّلُها الحساب العقلانيّ. ولكنّ ماجريّات الحروب سرعان ما تَصدِم الوعي اللاّهج بتلك القواعد فتحملُه حوادثُها الدّمويّة الرّهْباءُ على اعتقادِ خلافِ ذلك والظّنِّ - عكساً - أنّ الحروب أفعال خارجة عن حدّ العقل، وأنّها إلى الغرائزيّة أقرب منها إلى العاقليّة. هكذا يُلفي الوعيُ النّاظر إلى الحرب نفسَه متردِّداً بين صورتيْن لها على طرفيْ نقيضٍ، الأمر الذي يتولّد منه افتراضٌ بأنّها بمنزلة الظّواهر الإشكاليّة التي تستعصي على الحدّ والتّعريف.
غير أنّ الافتراض هذا - كما سنرى - غيرُ ذي موضوع، حيث ما يبدو من تناقُضٍ بين معْنَيَيْن للحرب ليس أكثر من تعبيرٍ عن آليتيْ عملٍ ينطوي عليهما نظامُ اشتغالها، بل يكاد وعيُها على الوجه الصّحيح يكون ممتنعاً إنْ لم يُرَ إليها انطلاقاً من ذلك التّناقض الذي يؤسّس نظامَها.
حساباتُ الحرب من حسابات السّياسة: تُرسَم بقدرٍ عالٍ من الدّقّة والأَناة وفقاً للأهداف المتوخّاة منها، خاصّةً أنّ الأمر يتعلّق فيها بوسيلةِ عملٍ قتاليّة قد تنفلت، عند عتبةٍ منها، عن أيّ رقابةٍ وضبطٍ يَنْعاد بهما تصريفُها في الوِجهة التي يُراد صرْفُها إليها. تخضع الحرب، ضمن هذا السّياق، لتخطيطٍ دقيق تتعاور على إنجازه مؤسّسات الدّولة كافّة ويتحقّق متمرحلاً: تخطيطٌ سياسيّ، أو قُل تخطيطَ الصّعيد السّياسيّ في الدّولة، ثمّ تخطيطٌ عسكريّ فإشرافٌ مباشر من المؤسّسة العسكريّة على تنفيذ الخطط الحربيّة.
وراءَ فعْلِ الحرب عقلٌ يقرّر، ويخطّط، ويدير... ولكنّ الذي ينفّذها (الجنديّ) لا تحرّكه في ميدان المعارك غير غريزة البقاء على قيد الحياة، وهي إذا كانت تسوِّغ له الإيغال في القتل والإفناء، تجد ما يبرِّرها له في تعليمات قياداته العسكريّة بوصفها ممارسةً مشروعة لحقّ الدّفاع عن النّفس، أي للحقّ في مزيدٍ من القتل! هكذا يتطابق كلٌّ من الحقّ والواجب في منطق الحرب: قتْل العدوّ واجب وطنيّ وهو، في الوقت عينه، حقٌّ للقاتل في الدّفاع عن نفسه...
من البيّن أنّ فعْل الحرب لا يمكنه أن يقوم على مبدأ واحد من المبدأين المشار إليهما، بل عليهما معاً. العقل وحده لا يكفي لتكون حربٌ، فهذه لا تكون إلاّ من طريقِ القتال وفي صورة قتال، والحال أنّ القتالَ والقتْل فعلٌ غيرُ عاقل، وهو من أفعال الغريزة لا من أفعال العقل. والقتلُ وحده في المعارك ليس حرباً لأنّ حسن التّخطيط والتّقدير والتّوجيه من مقتضيات الحرب التي لا تغني عنها أيُّ شجاعة أو روحُ انتقام. مع ذلك، لا يجري هذا التّناقض في نسيج الحرب على مقتضى الانتظام والتّوازن دائماً، فلقد يحصل أن تخرُج حرب مّا عن حدّها «المعقول»، أي عن الحدّ الذي رسمه لها ذلك الفعل العاقل من التّخطيط والتّدبير وفقاً لهدفها أو أهدافها: معلنَةً كانت أو مضمَرة، فلا تعود ضرباً من ضروب السّياسة المحسوبة.
تتحوّل، في هذه الحال، إلى حربٍ سائبة ومنفلتة من كلّ عِقال، وتتوالى فجائعُها الدّمويّة فصولاً على غير نظامٍ ومن دون أن تتبيّن لها نهايةٌ مّا في الأفق، حتّى أنّ انتسالَ حروبٍ من حروبٍ فيها يوحي وكأنّه ما عاد من هدفٍ سياسيّ لها يحكُم مسارها وأن كلَّ هدفها القتْل والإفناء ولا شيء آخر. إنّه شكلٌ من الغُلوّ في الحرب والقتال تصبح فيه الحرب هدفاً في حدّ ذاته أو، قُل، تصير فيه القاعدة هي الحرب من أجل الحرب.
لهذا النّمط من الحرب الذي تَغْلو فيه عمليّةُ الإفناء وتصير فيه الحرب فعلاً يخاض لِذاته تجلّيّاتٍ عدّةٌ في تاريخ الحروب، خاصّةً في عهدها الحديث والمعاصر، أظْهرُها جميعاً حروب الإبادة الجماعيّة. ليستِ الإبادةُ الجماعيّة هدفاً معقولاً (يقبله العقل)، لأنّها اندفاعٌ حيوانيّ وحشيّ إلى إفناء العدوّ من طريق قتْل جماعيّ لا يُبقي ولا يذرّ. وهي، لهذا السّبب، ليست هدفاً سياسيّاً قابلاً للتّبرير ولا محتازاً أيَّ مشروعيّة، لأنّه - بكلّ بساطة - خارجٌ تماماً عن قوانين الحرب وليس منتهِكاً لها فقط، ولأنّه يمثّل جريمةً كبرى ضدّ الإنسانيّة والوجود الإنسانيّ والحقّ المقدّس في الحياة!
وما كان صدفةً أنّه بعد أوّل إبادة جماعيّة معاصرة حصلت، نتيجة إلقاء قنبلتين نوويّتين على ناغازاكي وهيروشيما في اليابان، بدأت إجراءاتٌ قانونيّة لحظر استخدام الأسلحة النّوويّة، ثمّ أسلحة الدّمار الشّامل، لقدرتها على إحداث التّدمير الكامل وإبادة السّكّان. مع ذلك، لا يتوقّف ارتكاب الإبادات الجماعيّة على استخدام الأسلحة النّوويّة والكيماويّة والبيولوجيّة، فهي قد تقع بأيّ سلاح آخر تقليديّ على منوال ما جرى في المائة عامٍ الأخيرة وصولاً إلى الإبادة الجماعيّة في غزّة. بل هذا، أيضاً، ما جرى قبل بداية الأزمنة الحديثة: منذ إبادة العرب (الموريسكيّين) في الأندلس وإبادة الشّعوب الأصليّة في القارّة الأمريكيّة إلى الإبادات الأوروبيّة للشّعوب الأصليّة في المستعمرات.