لم يعد الاستهلاك مجرد تلبية لاحتياجاتنا، بل أصبح نمط حياة يحدد مكانتنا الاجتماعية. نشتري هواتف جديدة كل عام، حتى وإن كانت القديمة تعمل بكفاءة، نكدس الملابس في خزائننا بينما لا نرتدي نصفها، ونغرق في موجة من «الموضات» التي تتغير أسرع من قدرتنا على استيعابها، هكذا يتحول الاستهلاك من وسيلة للعيش إلى وسيلة لإثبات الوجود وإرضاء الآخرين، واتباع ما نرى الآخرين يفعلونه.
إن هذا السلوك لا ينبع من حاجتنا الحقيقية، بل من ضغط اجتماعي غير مرئي وغير مباشر، مثل الإعلانات التي لا تبيعنا سلعة فقط، بل تبيعنا صورة أن تكون مرغوباً، وهذا يعني أن تمتلك، وأن تكون شخصاً يحترم، وهذا يعني أن تظهر ما اشتريته، وهكذا تقاس القيمة بعدد العلامات التجارية التي يتم حملها على أكتافنا وكأننا لوحات إعلانية، لا بما نحمله من معرفة، أو قيم أو مساهمة إيجابية في المجتمع.
لكن الثمن باهظ للأسف، عائلات تستنزف ميزانياتها، لتواكب «المظاهر»، وشباب يغرقون في الديون ليشتروا ما يثبت مكانتهم بين أقرانهم من سيارات وكماليات، وموارد طبيعية تستنزف بلا رحمة، لتغذية رغبتنا في المزيد، ويقابل هذا انخفاض تلاحظه بين فئة الشباب في التفكير بتأمين المستقبل والغد، وخاصة المستقبل البعيد، في النهاية، لا يستهلك الفرد السلع فقط، بل يستهلك المجتمع نفسه وبيئته ومستقبله.
الحل لا يكمن في الامتناع التام عن الشراء أو منع النفس من الترفيه، بل في تبني ثقافة مختلفة وهي ثقافة الاستهلاك الواعي، حيث ندرك أن القيمة ليست في كثرة الأشياء، بل في معناها وفائدتها، وأن نعيد الاهتمام بمفهوم المشاركة والإعارة وإعادة التدوير، بدلاً من ثقافة التكديس والإهدار، وأن يكون معيار التقدير الاجتماعي مرتبطاً بالإبداع والعطاء والعلم والثقافة، عوضاً عن المظاهر.
قد تكون الخطوة الأولى بسيطة، أن نتعلم أن نقول «لا» حين لا نحتاج، إلى أن نكسر دائرة الشراء من أجل المظهر، وأن نمنح أنفسنا حرية الاختيار بعيداً عن ضغط الإعلانات والمظاهر، لأن المجتمع الذي لا يراجع شهيته الاستهلاكية، سيستيقظ يوماً، ليجد أنه باع راحته، واستنزف موارده، وأضاع مستقبله، مقابل أشياء تذوب قيمتها لحظة خروجها من المتجر. يجب أن يكون لدينا سؤال دائم قبل شراء أي شيء: هل أنا بحاجة إلى هذا فعلاً؟ الحياة أثمن من أن تختصر في فواتير وبطاقات ائتمان، والإنسان أعمق من أن يثمن نفسه بحقيبة أو هاتف، إن لم نتعلم كيف نستهلك بوعي، فلن يستهلكنا شيء بقدر استهلاكنا لأنفسنا.
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com