نحن نعيش في زمن مليء بالشاشات والإشعارات، أصبحنا نخشى الفراغ كما لو كان فراغاً روحياً، لحظة الانتظار في طابور أو الجلوس بلا مهمة صارت لا تحتمل، فنمد أيدينا مباشرة إلى الهاتف، حتى الأطفال، لم يعد يسمح لهم بالملل، تعطى لهم الأجهزة حتى لا يشعروا بالملل، وكأن الضجر عدو خطر يجب طرده بكل وسيلة.

إن الملل، هذا الإحساس الثقيل الذي نحاول الهروب منه، قد يكون في حقيقته فرصة ثمينة، فالذهن حين يتوقف عن الانشغال المستمر يجد مساحة للتأمل، للخيال، ولطرح الأسئلة العميقة. كثير من الأفكار الكبيرة، والاكتشافات الفنية والعلمية، ولدت في لحظات صمت وضجر، لا في زحمة المهام.

إن الضجر يشبه تربة خامدة خصبة تنتظر من يزرعها، حين نتحمل ثقل لحظاته، تبدأ عقولنا في إنتاج الأفكار التي لم نجد متسعاً لها عندما كنا منشغلين بالأمور الروتينية، ونكتشف أننا نملك قدرة على الإبداع لا تولد إلا حين نكف عن ملء كل دقيقة بالمشتتات.

على الرغم من ذلك نحن ندرب أنفسنا يومياً على قتل هذا الشعور قبل أن يولد، نتنقل بين عشرات المقاطع القصيرة، ننتظر الردود الفورية، ونملأ كل ثانية فارغة بتصفح سريع، والنتيجة أننا نعيش حياة صاخبة بالأنشطة، لكنها فقيرة بالتأمل والعمق.

لا بد أن نبدأ بالتصالح مع الملل، وأن نسمح لأنفسنا بوقت فارغ دون شعور بالذنب. الجلوس بلا هدف، المشي بلا موسيقى، الانتظار دون النظر إلى الهاتف، هذه اللحظات ليست هدراً للوقت، بل تدريباً على العودة إلى الذات.

كما يمكن للمؤسسات التعليمية والعملية أن تعترف بقيمة «المساحة البيضاء» في اليوم، أوقات لا يتم ملؤها بالمهام، بل بالهدوء، لأنها تولد إبداعاً أكثر مما يولده الضغط المستمر. الضجر ليس عدواً، بل أداة لو عرفنا كيف نستخدمها، إنه دعوة للتأني في عالم مسرع، وللتأمل في زمن يكره الصمت، وعندما نتوقف عن مطاردته، قد نكتشف أن أفضل ما فينا لا يظهر في لحظات الانشغال، بل في تلك الفراغات التي كنا نظنها مضيعة للوقت.

يجب أن نتعلم فن الفراغ، وأن نسمح للعقل أن يسرح دون قيد، أن نستمع إلى الصمت كما نستمع إلى الموسيقى، وأن نثق أن الملل ليس فراغاً يجب ملؤه، بل مساحة يمكن أن تثمر معنى جديداً لحياتنا.

[email protected]

www.shaimaalmarzooqi.com