يونس السيد

وضعت خطة ترامب بشأن غزة المنطقة كلها على أعتاب مرحلة جديدة، سواء وجدت هذه الخطة طريقها إلى حيز التنفيذ والنجاح، أو اصطدمت بعقبات كثيرة، قد تدفع بالمنطقة كلها إلى الهاوية.
من المسلَّم به أن خطة ترامب تتجاوز قطاع غزة إلى المنطقة والإقليم والعالم، وتحمل في طياتها ما يُرضي هذا الطرف أو ذاك، وما يرفضه هذا الطرف أو ذاك، وبالتالي، فإن فرص نجاحها أو فشلها مرهونة بأطراف الصراع أنفسهم، قبل أي شيء آخر. وبغض النظر عن الهدف المباشر في إنهاء الحرب وإطلاق سراح الرهائن وانسحاب الجيش الإسرائيلي التدريجي من القطاع، فإن هناك تياراً عالمياً جارفاً لإنهاء الحرب وفتح مسار التسوية، التي قد تكون تاريخية، وهو مبني أيضاً على شلال الدماء الفلسطينية الهائل منذ سنتين.
هذا التيار العالمي الذي سئم الحرب، ربما بقدر أهل المنطقة أنفسهم، لعب بالتأكيد دوراً مهماً جداً في الدفع نحو الحل السياسي، وهو ما عبّر عنه في الحقيقة تسونامي الاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية من أقرب حلفاء إسرائيل. وهو أيضاً ما أخذته واشنطن بعين الاعتبار، على الرغم من محاولة تقليل شأنه، في البداية، حين أدركت واشنطن أن إسرائيل باتت في عزلة دولية حقيقية، وأنها تجّر معها الولايات المتحدة إلى نفس الخندق.
والولايات المتحدة تدرك أيضاً أنها لا تستطيع كبح جماح أوروبا، أو العيش من دونها، مهما كانت الخلافات بينهما، كما أن أوروبا تعلم أنها لا تستطيع العيش بالمقابل من دون الولايات المتحدة، حتى وإن تعالت الأصوات التي تطالب بخروجها من تحت العباءة الأمريكية.
على الجانب الآخر، استنفدت إسرائيل كل الفرص التي مُنحت لها لحسم حرب غزة، من دون تحقيق الأهداف التي تحدثت عنها طوال سنتين. وهنا يطرح السؤال عما إذا كانت إسرائيل ستحصل بالسياسة عما عجزت عن تحقيقه بالحرب، وهو ما يعيدنا للحديث عن خطة ترامب، باعتبارها إما أن تكون فرصة أخيرة للسلام، وإما أنها ستعيد المنطقة إلى قعر الهاوية ومستنقع الكوارث والحروب. ذلك أن الخطة تحمل في طياتها نقاطاً متفجرة قد تنسف معها كل المحاولات الجارية لإزالة العراقيل التي تعترضها، وهي كلها تتعلق، في الحقيقة، ب«اليوم التالي» للحرب الذي لم يأت لا فلسطينياً ولا إسرائيلياً. ومن ذلك مثلاً موضوع نزع السلاح أو مسألة قيام دولة فلسطينية لا تزال مرفوضة عند الجانب الإسرائيلي، وغير ذلك الكثير، على الرغم من وجود نقاط إيجابية جوهرية، لجهة انتهاء قضية التهجير وتثبيت الفلسطينيين على أرضهم وحق النازحين في العودة وقضايا إعادة الإعمار والبناء، وهو ما يؤشر إلى تغيير جوهري في الموقف الأمريكي، ورؤية واشنطن لإنجاز مشروعها السياسي وتحقيق الأمن والاستقرار المستدام في المنطقة. فهل يستطيع هذا التيار العالمي الجارف نحو السلام أن يتغلب على العراقيل والنقاط المتفجرة، ويفرض تسوية تاريخية، بات يحتاجها الجميع. الجواب مرهون بما ستحمله الأيام القادمة.
[email protected]