رضا السميحيين

لا يمكن النظر إلى بعض الأعمال الروائية اليوم، باعتبارها فناً أدبياً سردياً فقط، إذ يمكن اعتبارها «وثيقة ثقافية»، تكشف عن صورة المجتمع وتضع هويته تحت المجهر، ومهما بدت الرواية خيالية، أو ذات نزعة فردية للمؤلف، فهي تحمل في طياتها شيفرات اجتماعية وثقافية، تعكس واقعاً معيناً لذاك المجتمع، لذلك قيل إن الرواية هي «سيرة المجتمع» مثلما السيرة الذاتية هي «سيرة الفرد».
كان الأدب الروائي يضع الهوية الثقافية في صلب السرد، منذ دون كيخوته الإسبانية وحتى أعمال ماركيز في أمريكا اللاتينية، وبحسب باحثين في علم الاجتماع الثقافي، مثل بنديكت أندرسون في كتابه «الجماعات المتخيلة»، لعبت الرواية دوراً مركزياً في تشكيل الهوية الوطنية، فقد ساعد انتشار الروايات القومية على خلق وعي جمعي لدى القراء، بأنهم ينتمون إلى فضاء ثقافي واحد، يتشاركون فيه اللغة والذاكرة، وبمعنى آخر، الرواية كانت أداة في صناعة وصياغة الهوية.
لكن هذا الدور يبدو أكثر تعقيداً اليوم في زمن العولمة، فلم يعد ممكناً قراءة الهوية في الرواية من زاوية المكان الثابت أو اللغة المشتركة فقط، بل يجب النظر إليها كشبكة معقدة من التقاليد والخبرات والتقاطعات مع الآخر، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الرواية الخليجية المعاصرة التي لم تعد تكتفي برصد التحولات، وإنما صارت تتناول قضايا أكثر انفتاحاً مثل هوية الجيل الجديد، أثر العولمة، الاغتراب، والبحث عن التوازن بين التراث والتغيير، وهي بذلك تقدم صورة أكثر عمقاً للحراك الاجتماعي والثقافي في الخليج.
بلا شك فالرواية تمتلك قدرة استثنائية على التعبير عمّا تعجز التقارير أو الدراسات الأكاديمية عن قوله، فهي تنفذ إلى التفاصيل الصغيرة في ملامح الهوية اليومية، وتتحول إلى أداة نقدية فاعلة ترصد الواقع، وتسهم في إعادة صياغة وعي المجتمع وتوجيه بوصلته الثقافية، عبر منح الناس القدرة على رؤية أنفسهم من جديد واكتشاف ما يتغير فيهم وما يبقى ثابتاً.
لذلك تبقى كل رواية مهما كان موضوعها أو خصوصيتها، شاهداً على خيال كاتبها وفردانيته، وأيضاً شاهداً على بصمة المجتمع الذي خرجت من رحمه، إذ إن الهوية كما تكشفها النصوص الروائية، هي مشروع مستمر من الحكاية وإعادة الحكاية، ومساحة مواجهة وتفكير في معنى أن تكون جزءاً من عالم مفتوح دون أن تفقد جذورك.