خميس آل علي

لن يواجه أي محلل أو متابع دقيق لشؤون المنطقة أي صعوبة في تذكر الطريقة والأسلوب والمنهجية التي أدارت بها جماعة الإخوان المسلمين الدول العربية التي وقعت تحت قبضتها عندما ينتشر تصريح لوزير أو مسؤول إسرائيلي ينتمي للحكومة المتطرفة التي تحكم إسرائيل حالياً، فكلا الطرفين لم يدخرا جهداً في توظيف الانتماءات الضيقة والعنصرية الدينية أو العرقية في إقصاء الطرف الآخر، سواء داخل إطار الدولة الوطنية الواحدة أو خارجها والسؤال هنا: كيف يمكن لمشروعين مختلفين أن يتقاسما هذا القدر من التشابه في التفكير والممارسة؟
رغم اختلاف السياقات، إذ نشأ الإخوان المسلمون في بيئة عربية إسلامية مثقلة بالصراعات حول الهوية والدين والسياسة، بينما انبثق التطرف اليميني في إسرائيل من مشروع استيطاني توسعي يستند إلى نصوص دينية وتفسيرات توراتية، فإن التشابه في النتائج صار صارخاً. فكلاهما يرفع شعاراً دينياً سامياً ليخدم مشروعاً سياسياً ضيقاً وكلاهما يرفض التعايش السلمي والتعددية ويقصي المخالف، فهل الدين هنا غاية روحية، أم مجرد أداة توظيفية لخدمة مشروع سلطوي؟
* أول ملامح هذا التشابه يتجلى في تسييس الهوية. فالإخوان جعلوا من الدين الإسلامي مظلة لتنظيم سياسي يريد احتكار الحديث باسم الإسلام، بينما المتطرفون في إسرائيل يوظفون النصوص التوراتية لفرض واقع استيطاني على الأرض وفي الحالتين، يُستبعد كل من لا ينتمي للجماعة أو العرق أو الدين الذي يحتكرونه، ألا يقود هذا إلى تفكيك المجتمعات من الداخل بدلاً من بنائها على أسس المواطنة؟
* ثانياً، إقصاء المخالف يتجسد بوضوح، ففي التجربة الإخوانية ظهر مصطلح «أخونة الدولة»، أي السيطرة على مفاصلها عبر الولاء للتنظيم بدلاً من الولاء للوطن وفي المقابل، يسعى المتطرفون بإسرائيل إلى «تهويد الدولة»، بما يعني نزع الشرعية عن عرب الداخل، كما حدث في «قانون القومية اليهودية» الذي اعتبر إسرائيل دولة تخص اليهود وحدهم. والسؤال: هل يمكن لدولة حديثة أن تنهض بينما جزء من شعبها يُقصى ويُحرم من أبسط حقوقه؟
* ثالثاً، العنف كأداة مشروعة، من رحم فكر الإخوان خرجت جماعات مثل القاعدة وداعش، التي مارست التكفير والقتل ضد مخالفيها وفي الجانب الآخر، يتبنى وزراء في الحكومة الإسرائيلية الحالية خطاباً يشرعن قتل الفلسطينيين أو تهجيرهم قسراً وإنهاء حلمهم بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بينما يمارس المستوطنون اعتداءاتهم اليومية بحماية رسمية.
وأخيراً، هناك المشروع العابر للحدود، فالإخوان لا يعترفون بحدود الدولة الوطنية ويؤمنون بفكرة «الخلافة» أو «الأمة الإسلامية الواحدة»، فيما لا يعترف المتطرفون الصهاينة بالحدود الدولية ويطمحون إلى «إسرائيل الكبرى»، كما جاء على لسان نتنياهو شخصياً. وكلا المشروعين يتجاوز سيادة الدول ويهدد استقرار الإقليم برمته.
النتيجة النهائية تكاد تكون متطابقة: تفكيك مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وإضعاف فكرة المواطنة وتكريس الانقسام والصراع، فما فعله الإخوان في مصر أو السودان أو تونس أو غيرها من محاولات لتغيير هوية الدولة وإقصاء بقية مكوناتها، يتكرر اليوم بشكل آخر في سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تدفع نحو تهويد كل شيء داخل حدود 1948، وإجهاض حلم الفلسطينيين بإنشاء دولتهم الوطنية المستقلة في حدود 1967.
إن التطرف اليميني الإسرائيلي والإخواني، رغم اختلاف منطلقاتهما، يلتقيان عند جوهر واحد: رفض التعايش السلمي والتعددية وحقوق المواطنة، والإيمان بحق جماعة بعينها في السيطرة على الآخرين.
فهل يكفي أن نواجههما أمنياً وسياسياً فقط؟ أم أن المطلوب مشروع فكري وثقافي شرق أوسطي، يشمل الدول العربية وإسرائيل، يعيد الاعتبار لقيم الدولة الوطنية الحديثة: المواطنة، المساواة والعيش المشترك.

[email protected]