صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
خميس عبيد آل علي
باحث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
أحدث مقالات خميس عبيد آل علي
30 أبريل 2026
إسرائيل وإيران.. وميدان الحرب الفكرية

تعدّ مراكز الفكر والبحوث أداة مهمة تحرص الدول، الساعية إلى التأثير، على إنشائها، ودعمها، بهدف استشراف المستقبل، ودعم صناعة القرار، ووضع الخيارات، وفي بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، تلعب هذه المراكز دوراً محوريّاً في التأثير بالتفكير الاستراتيجي الأعلى لدى مؤسسات الدولة، مثل البيت الأبيض، والكونغرس، والبنتاغون، ووكالة الاستخبارات المركزية.

ولذلك تحرص بعض الدول، التي تتأثر بشدة بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل وإيران، على اختراق هذه المراكز، وتثبيت سردياتها، وترسيخها، والدفاع عنها بصورة غير مباشرة، ويدرك الطرفان تماماً أن ما يصدر عن هذه المراكز لا يقل أهمية، بالنسبة إلى أمنهما القومي، عن الذخيرة التي تُخزّن في مخازن السلاح، أو النفط الذي يُباع في أسواق الطاقة.

ولكي ندلّل على هذه الأهمية يكفي أن نتذكر الدور الذي لعبه، وما زال، الباحثون الأمريكيون من أصل إيراني، العاملون في مختلف مراكز الفكر والبحوث الأمريكية، للترويج لفكرة أن العداء بين واشنطن وطهران «مؤقت وتكتيكي»، وأن ما يجمع الطرفين أكثر مما يفرقهما، وأنه يمكن لطهران أن تساعد واشنطن على حماية مصالحها الاستراتيجية، وحفظ الأمن في الشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب، وهي نفسها الفكرة التي وُلِدَ منها الاتفاق النووي عام 2015، بعد اقتناع إدارة أوباما بها.

ولاحقاً، مع صعود دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة في فترته الأولى، وقناعته بضرورة محاسبة إيران، وتجريدها من أدوات القوة، وبعد انسحابه من الاتفاق النووي، لعب مركز الدفاع عن الديمقراطيات أحد أهم الأدوار في صياغة استراتيجية «الضغوط القصوى» على إيران، حيث تتبّع هذا المركز شبكات طهران السرية، وقدم توصيات إلى وزارة الخزانة بشأن كيفية الكشف عنها، وفرض العقوبات عليها.

واليوم، وخلال الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على النظام الإيراني، بدءاً من 28 فبراير (شباط) 2026، تشهد الساحة الفكرية معركة ضارية بين من يؤمنون بأن المقاربة الأمريكية المُثلى تجاه إيران تكمن في التفاهم للتوصل إلى صفقة «تطبيع» كبرى، ويرون أن الحرب خسارة للطرفين، وأنها لن تحقق، ولن تغير أي شيء، وعلى رأس هذا التيار الفكري باحثون أمريكيون من أصل إيراني، من أمثال ولي نصر وتريتا بارسي، ويشاطرهما هذه الأفكار مؤيدو الحزب الديمقراطي والليبراليون بشكل عام في أمريكا والغرب.

أما الطرف الآخر، المؤيد للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد النظام الإيراني، فيرى في التفاوض مع هذا النظام مضيعة للوقت، وأن استخدام القوة العسكرية كان ضرورة لمنعه من تطوير السلاح النووي، ولخفض قدراته الصاروخية والعسكرية، ولإجباره على توقيع صفقة تتضمن تنازلات كبرى، مثل التخلي عن التخصيب، وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، ومن أنصار هذا التوجه مراكز الفكر اليمينية في أمريكا، من أمثال مؤسسة هيريتيج، ويتحالف معها عدد من المسؤولين الجمهوريين السابقين، ممن تحولوا إلى محللين وخبراء استراتيجيين، مثل مايك بومبيو ومايك بنس.

ولإنهاء الحرب يعتقد التيار الديمقراطي-الليبرالي أنه لا حل ولا صفقة مناسبة مع طهران إلا العودة إلى صيغة مشابهة لاتفاق عام 2015، إذ إن تخلي النظام الإيراني عن البرنامج النووي، أو عن التخصيب المحلي، لن يحدث بأي حال من الأحوال، ويعمل هؤلاء اليوم على إقناع إدارة دونالد ترامب بهذه الفكرة، مستغلين منصاتهم المعهودة، مثل قناة «سي إن إن»، أو صحيفة «واشنطن بوست».

أما أصحاب الفكرة الثانية، فيشدون من أزر الرئيس ترامب، ويحثونه على إبقاء الحصار البحري في مكانه، ويؤكدون له أن طهران ستأتي مرغمة في النهاية إلى طاولة المفاوضات، نتيجة الظروف الاقتصادية، وستوافق على شروط واشنطن.

فهل ينجح الليبراليون الديمقراطيون، ومعهم كبار خبراء الشأن الإيراني، في تحويل قناعات ترامب، أم أن كبرياء الأخير، وقربه من التيار الفكري الآخر، سيدفعانه إلى مواصلة المسير، والتصميم على إخضاع النظام الإيراني؟

[email protected]

باحث في شؤون إسرائيل والشرق الأوسط في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

20 فبراير 2026
الإمارات.. وفن «أسترجة» الشراكات الثنائية

خميس آل علي

مع اقتراب نهاية كل ولاية رئاسية أمريكية ينشغل الخبراء والإعلام بهوية الرئيس القادم، وميوله الحزبية، وكأن مستقبل العلاقات الدولية مرهون باسم من يجلس في البيت الأبيض لا بمنظومة حكم ومؤسسات راسخة. هذا المنظور الضيق وقعت فيه دول كثيرة، فربطت مصالحها بتفضيل الجمهوريين على الديمقراطيين، أو العكس. غير أن دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تجاوزت هذه الثنائية مبكراً، حين أعادت صياغة علاقاتها الكبرى، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة، بصفتها شراكات مؤسسية استراتيجية طويلة الأمد، لا علاقات شخصية عابرة.
وقد تجسد ذلك في زيارة سموه لواشنطن، أواخر عام 2024، في نهاية عهد جو بايدن، وقبيل الانتخابات بأسابيع، في رسالة واضحة بأن الشراكة مع الولايات المتحدة خيار استراتيجي ثابت، لا يتأثر بتغير الإدارات. وفي تلك الزيارة تم الاتفاق على توسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. وبعد أشهر، وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، أُعلن في أبوظبي إنشاء مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي- الأمريكي، الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة، الذي سيحتضن مشروع «ستارغيت الإمارات»، بما يعزز دور الدولة في قيادة التحول الرقمي، خصوصاً في دول الجنوب العالمي.
غير أن «استراتيجية» الشراكات الثنائية لا تقتصر على واشنطن، ففي أوروبا، ومع تصاعد الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في البنية التحتية للنقل، تعززت الشراكات مع ألمانيا، حيث اختارت برلين أبوظبي وشركاتها الوطنية في الطاقة شريكاً استراتيجياً موثوقاً به. كما أن الاستثمار الإماراتي في ممر الغاز الجنوبي، الذي ينقل غاز أذربيجان إلى أوروبا عبر جورجيا وتركيا، رسّخ موقع الدولة ضمن معادلات أمن الطاقة الأوروبية، وجعلها عنصراً فاعلاً في دعم طموح تركيا لتكون عقدة لوجستية بين آسيا وأوروبا.
وفي آسيا تتجلى المقاربة الإماراتية بوضوح في علاقاتها المتوازنة مع الصين والهند، فالشراكة مع الصين لا تقوم على التبادل التجاري فقط، بل تمتد إلى التعاون في الموانئ والصناعة والتكنولوجيا، في إطار رؤية تكاملية تستفيد من مبادرة «الحزام والطريق»، وتربطها بالموقع الجغرافي الإماراتي بصفتها بوابة بين الشرق والغرب. أما مع الهند، فقد تطورت العلاقات إلى مستوى شراكة اقتصادية شاملة عززت الاستثمارات المتبادلة في الطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا، وجعلت من البلدين محوراً اقتصادياً صاعداً في المحيط الهندي. ويكتسب هذا التعاون بعداً استراتيجياً إضافياً من خلال مشاركة الإمارات في ممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا (IMEC).
أما في العالم العربي، فتبرز مصر نموذجاً للشراكة الاستراتيجية البعيدة المدى، فمشروع تطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي المصري ليس مجرد استثمار عقاري ضخم، بل رؤية تنموية متكاملة تسهم في دعم الاقتصاد المصري، وتعزيز دوره بصفته مركزاً سياحياً ولوجستياً إقليمياً، ومن خلال هذا المشروع تؤكد دولة الإمارات أن استثماراتها في الدول الشقيقة تقوم على شراكات تنموية تعود بالنفع المتبادل، وتخلق فرصاً مستدامة للنمو والتشغيل.
وفي إفريقيا تنطلق الرؤية نفسها، فقد ضخت دولة الإمارات نحو 110 مليارات دولار بين عامي 2019 و2023 في مشروعات استراتيجية شملت البنية التحتية والموانئ والطاقة المتجددة والأمن الغذائي.
إن جوهر «أسترجة» الشراكات الثنائية الإماراتية يقوم على ثلاثة مرتكزات: تنويع الشركاء، ومأسسة العلاقات عبر اتفاقيات طويلة الأمد، والربط بين الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية المستدامة في إطار متكامل. وبهذا النهج تتحول العلاقات من رهانات ظرفية إلى شبكات مصالح متشابكة، يصعب فك ارتباطها مع تغير الحكومات، أو تبدل السياسات.
كما أن هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات في النظام الدولي، إذ لم تعد القوة تقاس بحجم الجيوش فقط، بل بمدى القدرة على بناء تحالفات اقتصادية وتقنية مرنة وعابرة للأقاليم، فالإمارات تستثمر في المستقبل عبر التعليم والبحث العلمي والشراكات الصناعية، وتحرص على نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا، بما يعزز استقلال قرارها الوطني، وبهذا المعنى تصبح الشراكات أداة لتعظيم السيادة، لا لتقييدها، وجسراً للنفاذ إلى أسواق جديدة، ومسرِّعاً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستويَين الوطني والدولي.
لقد أدركت دولة الإمارات أن عالم اليوم يتسم بسيولة موازين القوى وتسارع التحولات، ومن ثم اختارت بناء شبكة علاقات عالمية متعددة المسارات، تجعل من استقرارها مصلحة مشتركة لشركائها، فهي لا تراهن على الأشخاص، بل على المنظومات، ولا تنشغل بتقلبات السياسة، بل تستثمر في ثوابت المصالح.
وفي عالم يزداد استقطاباً تقدم الإمارات نموذجاً لدولة متوسطة الحجم استطاعت عبر رؤية استراتيجية واضحة أن تتحول إلى لاعب محوري في ملفات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار والتنمية، نموذجاً يؤكد أن الجغرافيا يمكن أن تكون منصة، وأن الاقتصاد يمكن أن يكون أداة نفوذ إيجابي، وأن الشراكات المؤسسية المستدامة هي الضمانة الحقيقية لمكانة فاعلة في النظام الدولي المتشكل.

[email protected]

20 يناير 2026
الاستقلال الاستراتيجي الإماراتي بين النظرية والتطبيق

خميس آل علي

منذ إطلاق روسيا عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا قبل أعوام عدة، وظهور خلافات عميقة بين الولايات المتحدة، وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ بشأن إدارة المواجهة غير المباشرة مع موسكو، وتقاسم أعبائها وتكاليفها وآفاق إنهائها- عاد مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» إلى واجهة النقاش في أدبيات العلاقات الدولية. ويُقصَد بهذا المفهوم قدرة دولة، أو مجموعة من الدول، على صياغة خياراتها الدفاعية والاقتصادية والاستراتيجية وفق مصالحها الوطنية، من دون الارتهان لشريك خارجي قد يُعيد ترتيب أولوياته، أو يغيِّر التزاماته في أية لحظة.
غير أن هذا النقاش، الذي بات اليوم أكثر إلحاحاً في السياق الأوروبي، لم يكن غائباً عن دولة الإمارات العربية المتحدة؛ إذ جرى استيعابه باكراً، وبصورة استباقية، حتى قبل اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية؛ فمنذ أكثر من عقد أعلنت الولايات المتحدة بوضوح استراتيجيتها المعروفة بـ«الاستدارة نحو الشرق»، وما رافقها من تقليص نسبي لانخراطها في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من استمرار الحضور الأمريكي العسكري والسياسي في المنطقة؛ فإن تراجع أهميتها الاستراتيجية كان واضحاً.
وإدراكاً لهذه التحولات اتجهت دولة الإمارات إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية، وبناء شبكة علاقات متوازنة مع قوى دولية كبرى؛ مثل الصين، وروسيا، والهند، وفرنسا، في إطار رؤية واعية تقوم على تقليص الاعتماد الأحادي، من دون الانزلاق إلى منطق الاستقطاب الحاد.
وخلال مسيرتها نحو تكريس استقلالها الاستراتيجي سجلت دولة الإمارات، مواقف مفصلية، أكدت أن قراراتها تنبع حصرياً من قراءتها لمصلحتها الوطنية؛ وبما ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة واستقرارها؛ ففي عام 2011، ومع تبنّي الإدارة الأمريكية آنذاك سياسات دعمت صعود تيارات دينية متطرفة إلى الحكم في عدد من الدول العربية؛ لا سيما مصر، قادت دولة الإمارات محوراً إقليمياً مناهضاً لهذه المقاربة؛ انطلاقاً من قناعتها بأن تلك السياسات تهدد استقرار الدول الوطنية، وتفتح الباب أمام الفوضى الشاملة. وقد عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عن موقف حازم تجاه هذه التوجهات؛ ناقداً لها؛ وهو ما أشار إليه باراك أوباما، الرئيس الأمريكي الأسبق، نفسه في مذكراته. وفي السياق عينه، وعندما تعرض أمن مملكة البحرين الشقيقة لتهديد مباشر بفعل موجات الاضطراب الإقليمي، بادرت دولة الإمارات إلى إرسال قوات عسكرية وأمنية دعماً للاستقرار؛ في خطوة عكست استقلال القرار الإماراتي، وسدت فراغاً خلفه الموقف الأمريكي المتحفظ آنذاك.
أما في عام 2020، فقد جسد التوجه الاستراتيجي الإماراتي بعداً أكثر تعقيداً وشمولاً، من خلال اتخاذ خطوة سياسية جريئة تمثلت بتوقيع الاتفاقات الإبراهيمية التي هدفت إلى منع ضم الأراضي الفلسطينية، والحفاظ على فرص السلام العربي- الإسرائيلي، وصون حل الدولتين من التصفية النهائية على المستوى الإقليمي؛ وقد اقترنت هذه الخطوة بتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية ثنائية، من دون التفريط في الثوابت العربية.
وبعد خمس سنوات على توقيع تلك الاتفاقات؛ تبين أنها أدت دوراً مهماً في كبح جماح أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً؛ فقد أسهمت في الضغط للسماح بإدخال نحو 50 في المئة من إجمالي المساعدات الإنسانية لغزة، وكانت دولة الإمارات وحدها وراء إدخال هذه الكمية. كما أسهمت في منع فرض واقع الضم بالقوة، في وقت كانت فيه إسرائيل تسعى لفرض رؤيتها الإقليمية عبر التفوق العسكري، في ظل عجز دولي واضح عن ردعها.
وفي هذا السياق أخفقت بعض القراءات السطحية في فهم طبيعة السياسة الإماراتية، حين صورت تلك الاتفاقات بصفتها تحالفاً مطلقاً؛ فقد أكدت دولة الإمارات، تأكيداً قاطعاً، رفضها العدوان العسكري الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران 2025، ودعت إلى احترام سيادة إيران، ووحدة أراضيها، كما واصلت تعزيز مسارات التواصل السياسي والاقتصادي مع طهران، في موقف ينسف منطق الاصطفاف الثنائي، ويؤكد استقلال القرار الإماراتي. وقد مكن هذا النهج المتوازن، دولة الإمارات من تأدية أدوار دبلوماسية متقدمة، شملت الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك بين أذربيجان وأرمينيا، في تأكيد إضافي أن الاستقلال الاستراتيجي لا يعني الانعزال؛ بل يفتح المجال أمام أدوار بناءة ومؤثرة.
وفي هذا السياق يكتسب مشروع «ستارغيت» دلالة خاصة بصفته نموذجاً متقدماً للاستقلال الاستراتيجي الإماراتي، القائم على الشراكة الانتقائية لا التبعية؛ فعلى الرغم من أن المشروع يُنفذ بالتعاون مع الولايات المتحدة؛ فإنه يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقة، من الاعتماد الأمني التقليدي إلى بناء قدرات مشتركة تقوم على نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز السيادة الرقمية. ويعد هذا المشروع استثماراً في أمن المستقبل؛ إذ باتت البيانات، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة التحليل المتقدم، مكونات أساسية في منظومات الردع وصنع القرار.
وفي المحصلة لا يمكن فهم الاستقلال الاستراتيجي الإماراتي بصفته رد فعل ظرفياً على تحولات النظام الدولي؛ بل يعد خياراً بنيوياً طويل المدى، أُسِّسَ على قراءة باكرة لتآكل اليقينيات التقليدية في العلاقات الدولية، وتراجع موثوقية التحالفات الصلبة، وصعود منطق المصالح المتغيرة؛ وقد نجحت دولة الإمارات في ترجمة هذا الفهم إلى سياسات عملية، جمعت بين تنويع الشراكات، وحماية القرار السيادي، والاضطلاع بأدوار إقليمية ودولية بناءة.

25 ديسمبر 2025
كيف قوّضت إسرائيل وإيران «المفاهيم الأمنية» في المنطقة؟

خميس آل علي

يمكن تعريف مصطلح «المفهوم الأمني» في مجال إدارة الدول بأنه الإطار الفكري والمنهجي الذي تعتمد عليه المؤسسات السيادية والأمنية والعسكرية في دولة ما لضمان أمنها واستمرارها. وغالباً ما يتحول هذا الإطار إلى «عقيدة متوارثة» تنتقل من جيل إلى آخر داخل هذه المؤسسات، وتؤثر بشكل مباشر في صنع القرار السياسي والعسكري، وأحياناً تُقاوم المراجعة أو التحديث حتى عندما تتغير الظروف المحيطة.
في منطقة الشرق الأوسط، تبرز مفاهيم أمنية لدول محورية أثّرت بعمق في شكل الصراعات وعدم الاستقرار الإقليمي. ويأتي في مقدمة هذه المفاهيم كل من المفهوم الأمني الإيراني والمفهوم الأمني الإسرائيلي، بوصفهما نموذجين يستحقان التفحص والنقد التحليلي لما خلّفاه من تداعيات خطِرة على أمن المنطقة ككل.
ففي السنوات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من تحولات إقليمية كبرى، بُني المفهوم الأمني الإيراني على ثلاثة أركان رئيسية: الاعتماد على الوكلاء من الفواعل ما دون الدول، والبرنامج النووي، والصواريخ البالستية. وقد كانت هذه الأركان الأساس الذي استندت إليه السياسة الإقليمية الإيرانية لعقود، حيث قدمت طهران دعماً واسعاً لمنظمات وميليشيات مسلحة مثل حماس، والجهاد الإسلامي، وحزب الله اللبناني، وعصائب أهل الحق، وفيلق بدر، والحوثيين، وغيرها من التشكيلات التي أدت أدواراً محورية في زعزعة الأمن الإقليمي بدلاً من تعزيزه.
غير أن التطورات الأخيرة كشفت حدود هذا المفهوم وفشله العملي. فعندما تعرض البرنامج النووي الإيراني لهجوم إسرائيلي- أمريكي، لم تتمكن هذه الميليشيات من ردع الهجوم أو منعه أو حتى تشتيته بشكل فعّال. كما أن اعتماد إيران استراتيجية «العتبة النووية» لم ينجح في تحقيق الردع المطلوب، بل تشير بعض التحليلات إلى أن الضربة مثّلت نهاية فعلية للحلم النووي الإيراني. ونتيجة لذلك، لم يبقَ من المفهوم الأمني الإيراني التقليدي اليوم سوى ركن الصواريخ البالستية، الذي أظهر قدراً من الفعالية خلال حرب الاثني عشر يوماً، إلا أنه يظل جزءاً من تصور أمني تقليدي ضيق لا يتعامل مع الأمن بوصفه مفهوماً شاملاً يضم الأمن الاقتصادي، والترابط الإقليمي، واحترام سيادة الجوار، وبناء المصالح المتبادلة.
أما المفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد، الذي تبلور بوضوح بعد أكتوبر 2023، فلا يختلف كثيراً في جوهره عن نظيره الإيراني، إذ يقوم هذا المفهوم على منح إسرائيل حقاً مطلقاً في انتهاك سيادة الدول وتجاهل القانون الدولي متى ما اعتبرت أن هناك تهديداً لأمنها القومي. وقد تُرجم هذا التصور إلى أفعال ملموسة، من بينها الهجوم على دولة قطر في سبتمبر/أيلول 2025، والهجوم على مبنى وزارة الدفاع السورية في يوليو/تموز من العام نفسه. كما يقف هذا المفهوم وراء حالة الجمود الفكري والاستراتيجي الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق برفض التفكير الجدي في إنهاء الصراع مع الفلسطينيين على أساس حل الدولتين، إذ تُقيّد هذه العقلية أي رؤية بديلة للأمن المستدام.
إن دراسة المفهومين الأمنيين الإيراني والإسرائيلي تمثل مدخلاً أساسياً لفهم جذور عدم الاستقرار المزمن في الشرق الأوسط. والأهم من ذلك أن هذه الدراسة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود النقد، بل يجب أن تمهّد الطريق لتطوير مفاهيم أمنية جديدة، مشتركة وشاملة، تقوم على التعاون الإقليمي، والتنمية الاقتصادية، واحترام السيادة، وتحقيق الأمن الحقيقي والرخاء لشعوب المنطقة كافة.

[email protected]

9 نوفمبر 2025
حل الدولتين.. إصلاح الفكر قبل السياسة

خميس آل علي*

لم يعد بوسع حتى أشد المؤيدين لإسرائيل، وفكرة وجودها، اليوم إنكار حجم الضغوط الدولية المتزايدة وغير المسبوقة المفروضة عليها لقبول حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش إلى جانبها بسلام.
وتأتي هذه الضغوط نتيجة طبيعية لتطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي تجاوزت حدود الأعراف والقوانين الدولية، وأطلقت نواقيس الخطر بشأن التهجير الجماعي، واحتمال اتساع رقعة الصراع إقليمياً. وقد وجدت كثير من الحكومات الغربية نفسها أمام مأزق أخلاقي وسياسي في الدفاع عن الموقف الإسرائيلي، بعدما خلقت المشاهد اليومية للدمار والضحايا المدنيين، والتقارير الأممية حول الوضع الإنساني الكارثي، رأياً عاماً عالمياً ضاغطاً يدعو إلى إنهاء الحرب مباشرة، ووقف دوامة العنف المستمرة منذ عقود.
وعلى الرغم من كل ذلك، فلا يزال المزاج العام داخل إسرائيل يرفض مناقشة التعامل الجاد مع فكرة حل الدولتين، إذ يفضِّل الخطاب الإسرائيلي الرسمي التركيز على ما يجب أن يفعله الفلسطينيون: نزع سلاح الميليشيات، وتغيير المناهج التعليمية، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. وهكذا يتحول النقاش من جوهر الصراع إلى شروط مسبقة تُبقي عملية السلام في دائرة مغلقة، وتمنح الطبقة السياسية الإسرائيلية مسوغاً لمواصلة سياسة المماطلة وكسب الوقت.
والمفارقة أن هذا الخطاب يلقى قبولاً داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، الذي تَشكل وعيه في بيئة تعبِّئه ضد فكرة الشريك الفلسطيني، وتغذِّيه سردية «الخطر الوجودي» التي تبرر استمرار الاحتلال بذريعة الأمن.
ولكن المشكلة أعمق من السياسة، فهي فكرية بالدرجة الأولى، فالمجتمع الإسرائيلي يعيش حالة جمود فكري، ويتبنى سياسات إقصاء تمنعه من التفكير بخيارات واقعية وإنسانية. والمطلوب هو أن تتحول إسرائيل من دولة ترى نفسها قوة عسكرية مهيمنة إلى دولة طبيعية مندمجة في محيطها اقتصادياً وثقافياً وفكرياً. وهذا التحول لن يتحقق إلا حين يدرك الإسرائيليون أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالسلام العادل، والشراكة المتوازنة التي تضمن كرامة الإنسان وحقوقه على جانبي الحدود.
وفي المقابل يعاني الفلسطينيون أيضاً تشتت الرؤية، وضبابية الأولويات، فجزء غير صغير من المجتمع الفلسطيني لا يزال يرى في حركة حماس، على الرغم من خطئها الاستراتيجي في السابع من أكتوبر 2023، جزءاً من النسيج الوطني الفلسطيني، لكن هذا الموقف يمنح الإسرائيليين ذريعة جاهزة لرفض أي تقدم حقيقي في مسار التسوية، ويضعف الموقف الفلسطيني الموحد الذي تحتاج إليه أية مفاوضات جادة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مصارحة فكرية داخلية، يكون فيها مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة هو البوصلة الوطنية، دولة وطنية مسالمة تتعايش مع جارتها إسرائيل، وترفض وجود أي ميليشيات «إخوانية»، أو ولائية، تعمل خارج مؤسساتها الشرعية، فلا يمكن بناء دولة على التناقض بين المقاومة المسلحة، والدولة المدنية، ولا على ازدواجية السلطة بين السلاح والسياسة.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على الانقسام، بل على وحدة القانون والمؤسسات.
إن حل الدولتين لن يولد من قرارات سياسية، أو تفاوضية فحسب، بل من تحول فكري وثقافي عميق لدى الطرفين، فحين يدرك الفلسطيني أن مشروع الدولة الوطنية المدنية هو خلاصه، ويفهم الإسرائيلي أن السلام ليس تنازلاً، بل ضمانة لمستقبله، عندها فقط يمكن أن تبدأ رحلة السلام الحقيقي.
أما قبل ذلك، فستبقى كل المبادرات السياسية مجرد محاولات مؤقتة تعالج الأعراض من دون أن تمس جوهر المرض، الذي يتمثل في غياب الرؤية المشتركة والإرادة الصادقة لإنهاء الصراع التاريخي بين الشعبين.

*باحث في شؤون إسرائيل والشرق الأوسط في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

KK- [email protected]

4 أكتوبر 2025
اليمين الإسرائيلي.. و«الإخوان».. أوجه تشابه

خميس آل علي

لن يواجه أي محلل أو متابع دقيق لشؤون المنطقة أي صعوبة في تذكر الطريقة والأسلوب والمنهجية التي أدارت بها جماعة الإخوان المسلمين الدول العربية التي وقعت تحت قبضتها عندما ينتشر تصريح لوزير أو مسؤول إسرائيلي ينتمي للحكومة المتطرفة التي تحكم إسرائيل حالياً، فكلا الطرفين لم يدخرا جهداً في توظيف الانتماءات الضيقة والعنصرية الدينية أو العرقية في إقصاء الطرف الآخر، سواء داخل إطار الدولة الوطنية الواحدة أو خارجها والسؤال هنا: كيف يمكن لمشروعين مختلفين أن يتقاسما هذا القدر من التشابه في التفكير والممارسة؟
رغم اختلاف السياقات، إذ نشأ الإخوان المسلمون في بيئة عربية إسلامية مثقلة بالصراعات حول الهوية والدين والسياسة، بينما انبثق التطرف اليميني في إسرائيل من مشروع استيطاني توسعي يستند إلى نصوص دينية وتفسيرات توراتية، فإن التشابه في النتائج صار صارخاً. فكلاهما يرفع شعاراً دينياً سامياً ليخدم مشروعاً سياسياً ضيقاً وكلاهما يرفض التعايش السلمي والتعددية ويقصي المخالف، فهل الدين هنا غاية روحية، أم مجرد أداة توظيفية لخدمة مشروع سلطوي؟
* أول ملامح هذا التشابه يتجلى في تسييس الهوية. فالإخوان جعلوا من الدين الإسلامي مظلة لتنظيم سياسي يريد احتكار الحديث باسم الإسلام، بينما المتطرفون في إسرائيل يوظفون النصوص التوراتية لفرض واقع استيطاني على الأرض وفي الحالتين، يُستبعد كل من لا ينتمي للجماعة أو العرق أو الدين الذي يحتكرونه، ألا يقود هذا إلى تفكيك المجتمعات من الداخل بدلاً من بنائها على أسس المواطنة؟
* ثانياً، إقصاء المخالف يتجسد بوضوح، ففي التجربة الإخوانية ظهر مصطلح «أخونة الدولة»، أي السيطرة على مفاصلها عبر الولاء للتنظيم بدلاً من الولاء للوطن وفي المقابل، يسعى المتطرفون بإسرائيل إلى «تهويد الدولة»، بما يعني نزع الشرعية عن عرب الداخل، كما حدث في «قانون القومية اليهودية» الذي اعتبر إسرائيل دولة تخص اليهود وحدهم. والسؤال: هل يمكن لدولة حديثة أن تنهض بينما جزء من شعبها يُقصى ويُحرم من أبسط حقوقه؟
* ثالثاً، العنف كأداة مشروعة، من رحم فكر الإخوان خرجت جماعات مثل القاعدة وداعش، التي مارست التكفير والقتل ضد مخالفيها وفي الجانب الآخر، يتبنى وزراء في الحكومة الإسرائيلية الحالية خطاباً يشرعن قتل الفلسطينيين أو تهجيرهم قسراً وإنهاء حلمهم بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بينما يمارس المستوطنون اعتداءاتهم اليومية بحماية رسمية.
وأخيراً، هناك المشروع العابر للحدود، فالإخوان لا يعترفون بحدود الدولة الوطنية ويؤمنون بفكرة «الخلافة» أو «الأمة الإسلامية الواحدة»، فيما لا يعترف المتطرفون الصهاينة بالحدود الدولية ويطمحون إلى «إسرائيل الكبرى»، كما جاء على لسان نتنياهو شخصياً. وكلا المشروعين يتجاوز سيادة الدول ويهدد استقرار الإقليم برمته.
النتيجة النهائية تكاد تكون متطابقة: تفكيك مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وإضعاف فكرة المواطنة وتكريس الانقسام والصراع، فما فعله الإخوان في مصر أو السودان أو تونس أو غيرها من محاولات لتغيير هوية الدولة وإقصاء بقية مكوناتها، يتكرر اليوم بشكل آخر في سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تدفع نحو تهويد كل شيء داخل حدود 1948، وإجهاض حلم الفلسطينيين بإنشاء دولتهم الوطنية المستقلة في حدود 1967.
إن التطرف اليميني الإسرائيلي والإخواني، رغم اختلاف منطلقاتهما، يلتقيان عند جوهر واحد: رفض التعايش السلمي والتعددية وحقوق المواطنة، والإيمان بحق جماعة بعينها في السيطرة على الآخرين.
فهل يكفي أن نواجههما أمنياً وسياسياً فقط؟ أم أن المطلوب مشروع فكري وثقافي شرق أوسطي، يشمل الدول العربية وإسرائيل، يعيد الاعتبار لقيم الدولة الوطنية الحديثة: المواطنة، المساواة والعيش المشترك.

[email protected]