خميس آل علي

مع اقتراب نهاية كل ولاية رئاسية أمريكية ينشغل الخبراء والإعلام بهوية الرئيس القادم، وميوله الحزبية، وكأن مستقبل العلاقات الدولية مرهون باسم من يجلس في البيت الأبيض لا بمنظومة حكم ومؤسسات راسخة. هذا المنظور الضيق وقعت فيه دول كثيرة، فربطت مصالحها بتفضيل الجمهوريين على الديمقراطيين، أو العكس. غير أن دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تجاوزت هذه الثنائية مبكراً، حين أعادت صياغة علاقاتها الكبرى، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة، بصفتها شراكات مؤسسية استراتيجية طويلة الأمد، لا علاقات شخصية عابرة.
وقد تجسد ذلك في زيارة سموه لواشنطن، أواخر عام 2024، في نهاية عهد جو بايدن، وقبيل الانتخابات بأسابيع، في رسالة واضحة بأن الشراكة مع الولايات المتحدة خيار استراتيجي ثابت، لا يتأثر بتغير الإدارات. وفي تلك الزيارة تم الاتفاق على توسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. وبعد أشهر، وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، أُعلن في أبوظبي إنشاء مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي- الأمريكي، الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة، الذي سيحتضن مشروع «ستارغيت الإمارات»، بما يعزز دور الدولة في قيادة التحول الرقمي، خصوصاً في دول الجنوب العالمي.
غير أن «استراتيجية» الشراكات الثنائية لا تقتصر على واشنطن، ففي أوروبا، ومع تصاعد الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في البنية التحتية للنقل، تعززت الشراكات مع ألمانيا، حيث اختارت برلين أبوظبي وشركاتها الوطنية في الطاقة شريكاً استراتيجياً موثوقاً به. كما أن الاستثمار الإماراتي في ممر الغاز الجنوبي، الذي ينقل غاز أذربيجان إلى أوروبا عبر جورجيا وتركيا، رسّخ موقع الدولة ضمن معادلات أمن الطاقة الأوروبية، وجعلها عنصراً فاعلاً في دعم طموح تركيا لتكون عقدة لوجستية بين آسيا وأوروبا.
وفي آسيا تتجلى المقاربة الإماراتية بوضوح في علاقاتها المتوازنة مع الصين والهند، فالشراكة مع الصين لا تقوم على التبادل التجاري فقط، بل تمتد إلى التعاون في الموانئ والصناعة والتكنولوجيا، في إطار رؤية تكاملية تستفيد من مبادرة «الحزام والطريق»، وتربطها بالموقع الجغرافي الإماراتي بصفتها بوابة بين الشرق والغرب. أما مع الهند، فقد تطورت العلاقات إلى مستوى شراكة اقتصادية شاملة عززت الاستثمارات المتبادلة في الطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا، وجعلت من البلدين محوراً اقتصادياً صاعداً في المحيط الهندي. ويكتسب هذا التعاون بعداً استراتيجياً إضافياً من خلال مشاركة الإمارات في ممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا (IMEC).
أما في العالم العربي، فتبرز مصر نموذجاً للشراكة الاستراتيجية البعيدة المدى، فمشروع تطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي المصري ليس مجرد استثمار عقاري ضخم، بل رؤية تنموية متكاملة تسهم في دعم الاقتصاد المصري، وتعزيز دوره بصفته مركزاً سياحياً ولوجستياً إقليمياً، ومن خلال هذا المشروع تؤكد دولة الإمارات أن استثماراتها في الدول الشقيقة تقوم على شراكات تنموية تعود بالنفع المتبادل، وتخلق فرصاً مستدامة للنمو والتشغيل.
وفي إفريقيا تنطلق الرؤية نفسها، فقد ضخت دولة الإمارات نحو 110 مليارات دولار بين عامي 2019 و2023 في مشروعات استراتيجية شملت البنية التحتية والموانئ والطاقة المتجددة والأمن الغذائي.
إن جوهر «أسترجة» الشراكات الثنائية الإماراتية يقوم على ثلاثة مرتكزات: تنويع الشركاء، ومأسسة العلاقات عبر اتفاقيات طويلة الأمد، والربط بين الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية المستدامة في إطار متكامل. وبهذا النهج تتحول العلاقات من رهانات ظرفية إلى شبكات مصالح متشابكة، يصعب فك ارتباطها مع تغير الحكومات، أو تبدل السياسات.
كما أن هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات في النظام الدولي، إذ لم تعد القوة تقاس بحجم الجيوش فقط، بل بمدى القدرة على بناء تحالفات اقتصادية وتقنية مرنة وعابرة للأقاليم، فالإمارات تستثمر في المستقبل عبر التعليم والبحث العلمي والشراكات الصناعية، وتحرص على نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا، بما يعزز استقلال قرارها الوطني، وبهذا المعنى تصبح الشراكات أداة لتعظيم السيادة، لا لتقييدها، وجسراً للنفاذ إلى أسواق جديدة، ومسرِّعاً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستويَين الوطني والدولي.
لقد أدركت دولة الإمارات أن عالم اليوم يتسم بسيولة موازين القوى وتسارع التحولات، ومن ثم اختارت بناء شبكة علاقات عالمية متعددة المسارات، تجعل من استقرارها مصلحة مشتركة لشركائها، فهي لا تراهن على الأشخاص، بل على المنظومات، ولا تنشغل بتقلبات السياسة، بل تستثمر في ثوابت المصالح.
وفي عالم يزداد استقطاباً تقدم الإمارات نموذجاً لدولة متوسطة الحجم استطاعت عبر رؤية استراتيجية واضحة أن تتحول إلى لاعب محوري في ملفات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار والتنمية، نموذجاً يؤكد أن الجغرافيا يمكن أن تكون منصة، وأن الاقتصاد يمكن أن يكون أداة نفوذ إيجابي، وأن الشراكات المؤسسية المستدامة هي الضمانة الحقيقية لمكانة فاعلة في النظام الدولي المتشكل.

[email protected]