غزة تغيّر وجه العالم

00:32 صباحا
قراءة 4 دقائق

محمود حسونة

غزة غيّرت وجه العالم، كشفت المستور وفضحت النوايا الخفية. عندما بدأت إسرائيل حربها على غزة في الثامن من أكتوبر 2023 كان هدفها المعلن هو القضاء على القدرات العسكريّة لحماس وتحرير الرهائن الذين اختطفتهم الحركة خلال عملية «طوفان الأقصى» قبل يوم واحد، وكانت لها أهداف أخرى ظلت خفية تضليلاً للإعلام وكسباً لتعاطف حكومات وشعوب العالم والمنظمات الدولية، فالهدف الحقيقي تدمير غزة وتحويلها إلى أرض لا تصلح للحياة بهدم المباني والأبراج والمستشفيات والمدارس وقطع الطرق وتجويع وتعطيش السكان، وإذلالهم ومطاردتهم من منطقة لأخرى قصفاً، وتخييرهم بين القتل والتهجير تحت النار، واحتلال غزة وضم الضفة وقضم ما تيسر من أراضي الجوار بهدف تحقيق حلم الدولة الكبرى.
مر عامان على الحدث الذي زلزل الأرض تحت أقدام إسرائيل وحماس معاً، وشتان ما بين وضع كل منهما وموقف العالم من كليهما قبل السابع من أكتوبر وبعده، «حماس» لم تنته ولكنها فقدت كثيراً من المتعاطفين معها كحركة مقاومة بعد أن منحت إسرائيل المبرر لتحيل الحياة في القطاع جحيماً مشتعلاً على مدار عامين، شطب «حماس» من خريطة غزة أصبح إرادة دولية، وهو محور رئيسي في خطة ترامب المثيرة للجدل، كما أصبحت إرادة لقطاع كبير من الفلسطينيين والعرب.
عندما اندلعت الحرب لم يتخيل أحد أن تطول إلى عامين، وبعد الإعلان عن هدنة نوفمبر 2023 توقع الكثيرون أن يتم الاتفاق خلالها على وقف إطلاق النار، ولكن خاب الظن واستأنفت إسرائيل الحرب بشكل أكثر وحشية، وامتدت وتمددت إلى كل من يعلن دعم المستضعفين من أهل القطاع المنكوب. بذل الوسطاء وغير الوسطاء الكثير من الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب، ولكن إصرار نتنياهو على الإبادة وارتكاب كل ما يخالف القوانين والأعراف الدولية والإنسانية أفشل كل جهود التسوية وإحلال السلام.
النوايا الحقيقية تكشفت من خلال تصريحات متفرقة، وزير دفاع نتنياهو السابق وصف الفلسطينيين بالحيوانات، ووزراء آخرون دعوا لقتل كل ما هو فلسطيني، ومحو كلمة «فلسطين» من الوجود واحتلال أراضيهم واستباحة محرماتهم، وإعلامه استخدم كل المصطلحات السلبية توصيفاً وتحليلاً، كانت وظلت حرباً ضد كل مظاهر الحياة في غزة، وضد كل من يساند شعبها، تحدت إسرائيل كل من أرسلوا المساعدات ومنعوا إدخالها الى غزة ليتم تخزينها في مخازن بالعريش وعلى شاحنات تصطف على أبواب المعابر.
نتائج حرب غزة كثيرة وسوف يتوقف عندها التاريخ مطولاً، غيّرت وجه العالم وجعلته مختلفاً تماماً عما كان، تبدّلت قناعات الشعوب وتغيّر مزاج الرأي العام العالمي، وهو ما أجبر العديد من الحكومات على تغيير مواقفها بل واتخاذها قرارات لم تكن في الحسبان، لم يتخيل أحد أن تعترف بريطانيا صاحبة وعد بلفور المشؤوم وصاحبة الفضل الأول في إقامة إسرائيل بالدولة الفلسطينية، ولم يتخيل أحد أن تتجاوز فرنسا حدود الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى التنديد بجرائم إسرائيل في المحافل الدولية، ولم تكن الهرولة من أكثر الغربيين دعماً لإسرائيل إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية متوقعة، ولم يستوعب العقل الجمعي حتى الآن أن تصبح إسرائيل دولة معزولة منبوذة من الشعوب والحكومات، كما لم يستوعب أيضاً أن تمنع دول قدمت كل الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لإسرائيل في بداية الحرب وزار زعماؤها تل أبيب تشجيعاً، أن تمنع طائرة نتنياهو من المرور في مجالها الجوي مهددة باعتقاله تنفيذاً لقرار الجنائية الدولية.
نعم، غزة تدمرت وخسرت 80 ألفاً من أبنائها بينهم 20 ألف طفل، ولكن في المقابل إسرائيل خسرت أيضاً الكثير. قد تكون خسائر غزة ملموسة وواضحة أمام أبنائها والعالم، وخسائر إسرائيل أقل وضوحاً، لأن الصورة لم تكتمل بعد، ستكتمل في المستقبل القريب، فالحرب لم تنل من صورة نتنياهو ووزرائه وجيشه وحدهم، ولكنها نالت من صورة كل إسرائيلي، ويكفي التظاهرات التي استقبلت سياحاً إسرائيليين رفضاً لهم في عدد من مدن العالم، وأن العديد من المطاعم في مدن مختلفة لم تعد تقبل أن يدخلها إسرائيلي، وتكفي المطالبات بمنع الرياضيين والفنانين والمثقفين الإسرائيليين من المشاركة في فعاليات ومهرجانات دولية، ويكفي انحياز كبار نجوم العالم قولاً وفعلاً لفلسطين في المهرجانات الفنية ورفعهم علمها في حفلات الافتتاح والختام.
نتنياهو لم يدخر جهداً لإجبار الفلسطينيين على الهجرة ولكنهم ازدادوا تشبثاً، وحاول بكل السبل إقناع العالم بأنه يحارب الإرهاب ولكن العالم رآه يمارس التطهير العرقي بأعتى الأسلحة، ولا يزال متوهماً أنه يستطيع فرض قناعاته على الرأي العام العالمي بعد تبديل سلاح الإعلام التقليدي بالتيك توك ومنصة إكس والمؤثرين المنحازين لبلاده، غير مدرك أن مشاهد القتل والإبادة والتجويع لا يمكن أن تمحوها فيديوهات مفبركة على التيك توك ولا بوستات مزورة على إكس، ولو كان قد توقف وشغل تفكيره بالبحث عن أسباب مغادرة معظم الوفود خلال إلقاء كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة بدلاً من الاجتماع مع المؤثرين وصناع المحتوى، لاستوعب أن الضمان الوحيد لأمان شعبه هو منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وحق تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة القادرة على البقاء والاستقرار.
«حماس» تتلاشى وغزة أبيدت وإسرائيل انكشفت حقيقتها، ولكن فلسطين أصبحت قضية العالم وليس العرب فقط.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"