منذ الطفولة ونحن نتعلم أن نرى أنفسنا في مرآة الآخرين، علامات الدراسة تقاس بترتيبنا بين الزملاء، والنجاحات تقارن بإنجازات أقراننا، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية، تظل المقارنة معياراً حاضراً نحكم به على سعادتنا. المشكلة أن هذا الميل لا يزول مع النضج، بل يزداد حدة في زمن وسائل التواصل، حيث تتحول حياة الآخرين إلى عرض متواصل يبدو أجمل مما نملك.
المقارنة المستمرة ترهق الشخص، لأنها تدفعه إلى مطاردة صورة غير مكتملة: نرى إنجازاً بلا ظروفه، أو سعادة في لحظة مقتطعة من سياق طويل، فنظن أننا أقل حظاً، وأقل استحقاقاً. والنتيجة شعور دائم بعدم الرضا، مهما بلغ ما لدينا من نعم أو نجاحات.
طرح العالم النفسي الأمريكي ليون فستنغر في كتابه «نظرية المقارنة الاجتماعية» أن الإنسان يميل بالفطرة إلى تقييم نفسه عبر مقارنة مع الآخرين، لكن الخطورة تكمن حين تتحول هذه العملية الطبيعية إلى هوس يسرق الطمأنينة، فعوض أن تكون المقارنة دافعاً للتعلم والتحفيز، تصبح عبئاً يولد الإحباط والغيرة.
جودة حياتنا لا تقاس بما نملك مقارنة بالآخرين، بل بما نشعر به تجاه ما بين أيدينا، حين ندرب أنفسنا على الامتنان، ونوجه نظرنا إلى الداخل بدل الخارج، نصبح أكثر وعياً بأن السعادة ليست سباقاً، بل تجربة شخصية تتشكل من الرضا والانسجام مع الذات.
أيضاً ما نحتاجه ليس إلغاء المقارنة تماماً، بل إعادة توجيهها إلى سياق صحي وصحيح، مثل أن نقارن أنفسنا بما كنا عليه بالأمس، لا بما يملكه الآخرون اليوم، ففي هذه المقارنة الوحيدة، نجد معنى النمو الحقيقي، ونكتشف أن سعادتنا تصبح أعمق كلما تحررنا من مقاييس الناس أكثر.
ثقافة المقارنة لا تمنحك صورة عادلة عن الحياة، بل تحولها إلى سباق بدون خط نهاية، والخروج من هذا الوهم يبدأ بالتصالح مع ذاتك، والإيمان بأن الرضا ليس في امتلاك ما لدى غيرنا، بل في أن نحيا حياتنا نحن، بكل تفاصيلها كما هي. ولم يخطئ الكاتب والرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، عندما قال: «المقارنة هي سارق الفرح».
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com