العنصريّة مراتب ومدارات متعدّدة وهي، لذلك السّبب، لا تُختزَل في قالب أو نمط واحد، إذ تتباين تجلّيّاتُها بتبايُن المبدأ الأوّلي الذي يؤسّسها وبتبايُن صورة الأنا (الجماعيّة) التي تدخُل في تكوينها كعلاقة: أي بوصفها علاقةً بين طرفين متمايزين، على الأقلّ بالنّسبة إلى طرف منهما مسكون بشعور الاستعلاء على الآخَر في العلاقة، هذا إذا لم يكن ذلك على صعيد الطّرفين معاً حين يتبادلان النّظرةَ العنصريّة إلى بعضهما. هكذا يمكن أن تدور العنصريّة على مبدأ العِرق، أو مبدأ الدّين، أو على اللّون، أو على الوضع الاجتماعيّ فيكون مدارُها، تارةً، الآخَر الخارجيّ (من خارج حدود الجماعة السّياسيّة الوطنيّة) ثمّ يكون، تارةً، أخرى آخَر داخليّاً: من المجتمع الوطنيّ عينِه، ولكن من ملّة أخرى، أو مذهب مختلف، أو بَشَرةٍ ملوّنة، أو موقع اجتماعيّ مُباين...إلخ. إنّه آخَر، في معيار عنصريّ، لا فقط لأنّه يقع خارج الحدود، بل حتّى داخلَها: أي في تلك الحال التي لا يُنظَر إليه بوصفه جزءاً من الأنا الجماعيّة بمعناها الثّقافيّ- الاجتماعيّ لا السّياسيّ.
العنصريّة الاجتماعيّة وجْهٌ من وجوه تلك العنصريّة التي تدور داخل الدّائرة الوطنيّة أو القوميّة الواحدة، وهي العنصريّة التي يكاد أن لا يَعْرَى منها مجتمع من المجتمعات الإنسانيّة، لأنها شديدةُ الاتّصال بما في المجتمعات من انقسامات ثقافيّة وقِيَميّة لا تقْوى وحدةُ المجتمع السّياسيّ على محْوها أو على استيعابها ومنْعها من التّبدّي في أفعال وأقوال ومقاماتِ حياة. وعليه، مثلما يُفْصح فرد عن عنصريّته تجاه فرد آخر/أفراد آخرين غيره، ويُفصح مجتمع عن عنصريّته تجاه مجتمعٍ آخَر، وأتباعُ دينٍ أو مذهب أو طائفة ضدّ أتباع أخرى، وبيضٌ ضدّ السّود أو الملوّنين...، كذلك يمكن أن تأتيَ فئةٌ اجتماعيّة موقفاً عنصريّاً تجاه فئةٍ/فئاتٍ اجتماعيّة غيرها.
أمّا المبدأ المؤسِّسُ لهذا الضّرب من العنصريّة - الدّائرة في المجتمع الواحد - والمشرعِن لها فهو الاعتقاد ب «تفاوُتِ الأَقدار» والمكانات الاجتماعيّة وب «حقّ» «الأعلى مقاماً» في رفض مساواةِ «الأدنى مقاماً» به في المركز والمكانة أو التّعامل معهما على مقتضى السّويّة بما هُم أنداد لبعضهم. من البيّن أنّ المبدأ هذا لا يستصحب معه مبدأ آخَر كابحاً له هو مبدأ المواطَنة ومبدأ المساواة، إذ هو لا يعترف به بوصفه المبدأ الحاكمَ للاجتماع أو هو، على الأقلّ، يسلّم بأنّه يتناول حقوقاً قانونيّة للمواطنين من زاوية نظر الدّولة والقانون، فحسب، لكنّه لا يعبّر عن موقف المجتمع من نفسه ولا عن معاييره المختلفة، حُكماً، عن معايير الدّولة والقانون. إنّه لا يستصحب مبدأ المواطنة (بل يتجاهله) لأنّه مبدأ لا يلحظ الانقسامَ الثّقافيّ- القيميَّ في المجتمع، بل يُشدّد على المشتَرك الوطنيّ، فيما تنمو هذه العنصريّة بعيداً من بيئة المشتَرَك وضدَّها.
لهذه العنصريّة الاجتماعيّة تبدّياتٍ عدّةٌ نرصُد منها اثنين من أظهرها: عنصريّة طبقات اجتماعيّة ضدّ أخرى، وعنصريّة أهل المدن تجاه أهل الأرياف والبوادي.
تدور العنصريّة الطّبقيّة على وهم التّفوّق الاجتماعيّ لفئة أو طبقة اجتماعيّة على أخرى، والوهم هذا متولّدٌ من عوامل متعدّدة: الزّعم بنَفاسة الأصل العائليّ لدى بعض المنتمين إلى الطّبقات العليا، وما يقترن بانتحاله من حيازة قدْرٍ مّا من الوجاهة في المحيط الاجتماعيّ، أو حال اليَسار الماديّ التي تُشْعِر الرّافلين فيها بأنّهم أعلى شأناً ممّن هم دونَهم غنًى وثراء... إلخ. ومن البيّن أنّ كلّ أوهام التّفوّق تلك مبْناها على مبدأ واحدٍ ترتدّ إليه: التّفاوُت الاجتماعيّ بين الطّبقات في حيازة الموارد الماديّة، وهو التّفاوُت الذي يتمظهر في توزُّعها بين طبقات مالكة لوسائل الإنتاج وطبقات محرومة منها بالكلّيّة.
على أنّ الاختلاف في الوضع الاجتماعيّ- الاقتصاديّ لطبقات مجتمعٍ مّا وفئاته يفضي إلى استيلاد منظوماتِ قيمٍ اجتماعيّة مطابِقة لكلّ وضْع، أي تكاد أن تكون خاصّة بكلّ طبقة بحيث تُفصح عن أذواقها وأهوائها ومعاييرها المتباعدة، تلك التي لا تستطيع منظومةُ القيم المجتمعيّة المشتَرَكة - الخاصّة بكلّ مجتمع - أن تبدِّد وجودها. هكذا يتبدّى التّفاوُت الماديّ بين الطّبقات في صورة انقساميْن أو تقاطبيْن: انقسام طبقيّ ماديّ وانقسامٍ قيميّ، والعنصريّةُ إنّما تنمو في مثل هذا الانقسام، حيث كلُّ فريقٍ اجتماعيّ بمثابة آخَر لدى غيره.
أمّا عنصريّة التّمدْيُن على التّبديّ فمُستمَدُّها من نظرة الاستعلاء التي تُلقيها قيمُ أهل المدينة على الرّيف والبادية وقيمها، وهي استمرار لنظرة مجتمع التّجار والصّناعيّين إلى مجتمع الفلاّحين المزارعين وأحياناً، لنظرة المجتمع البرجوازيّ الرّأسماليّ إلى المجتمع الزّراعيّ. في قلب هذه النّظرة العنصريّة للمدينيّ إلى البدويّ قدْرٌ كبير من الاحتقار للشّرط الطّبيعيّ- الاجتماعيّ الذي تقوم فيه البداوة، وحكمٌ سلبيّ جارح في حقّها، بل وإخراجٌ لها من دائرة الحضارة والتّحضُّر.
ومع أنّ مظاهر التّمديُن غزَت الأرياف والبوادي واستدمجتْها، أحياناً، في دائرة الإنتاج والتّبادل، ورفعت عنها - نسبيّاً - حال التّهميش، إلاّ أنّ النّظرة الاستعلائيّة العنصريّة إلى أهل الأرياف والبوادي لم تندثر، بل استمرّت تعيد إنتاج نفسها وتتوسّع. والأغرب أنّ هذا الموقف العنصريّ من أهل المدن تجاه البوادي موقفٌ من أصولهم البدويّة، هُم أنفسهم، التي انحدروا منها وقدْحٌ منهم فيها وتعييرٌ من غير انتباهٍ منهم إلى ذلك.
[email protected]