نعتقد أحياناً أن جودة عملنا تتحدد بذكائنا أو حماستنا وحدهما، لكن التجربة اليومية تقول شيئاً أبسط وأقسى بالوقت نفسه: العمل يتمدد بمرونة ليملأ كل الوقت الذي نمنحه إياه، وكلما وسعنا إتاحتنا للعمل، اتسعت معه المهام الإضافية، وتضخمت التفاصيل، وتكاثرت المراسلات والاجتماعات بلا عائد حقيقي.
هذه الفكرة ليست مجرد كلام تحفيزي أو تنظير، بل صياغة قديمة قدمها المؤرخ البريطاني سيريل نورثكوت باركنسون عام 1955، فيما يعرف بقانون باركنسون، حين قال: «العمل يتسع ليملأ الوقت المتاح لإنجازه»، ويقصد أن تضخم الوقت يجلب معه إجراءات إضافية وتكاثراً غير ضروري في المهام.
إن تأمل هذا القانون يكشف الكثير من عاداتنا مهمة كان يمكن إنهاؤها قبل الظهر تطول إلى نهاية اليوم لأننا فتحنا لها نافذة زمنية واسعة، فتظهر فجأة حاجة لإعداد عرض تقديمي غير لازم، وتطفو رسائل بريد تطلب مراجعة بسيطة، ويستدرجنا فضول التفاصيل إلى صغائر تلتهم الساعات. وعلى مستوى الفرق العملي، يكبر الأمر إلى تضخم الاجتماعات كلما ابتعد موعد التسليم، وفي اتساع فرق العمل لمجرد تبرير وجودها، لا لأن حجم المشكلة يستدعي ذلك. الفكرة المفيدة هنا ليست تمجيد السرعة أو الدعوة للمقامرة بالجودة، بل إعادة تصميم الوقت كمنتج مهم أيضاً: مهلة أقصر بوضوح مع معيار جودة محدد تقلل التشتت وتجبرنا على اختيار ما يلزم فعلاً، وتكشف سريعاً عن الفرضيات الخاطئة بدل أن تسمح لها بالاختباء خلف أسابيع من التجهيز والاستعداد. وحتى في الأعمال التي تحتاج إلى مساحة للإبداع، يظل العامل الزمني الجزئي مفيداً، مثل تقسيم المشروع إلى مشاهد أو مسودات تربط كل مرحلة بموعد تسليم داخلي يضمن التقدم دون خنق خيالك أو إبداعك.
حين نفهم أن الوقت وعاء يتشكل على حجم ما نسكبه فيه، سنكف عن مطاردة المثالية المتسربة من بين أصابعنا، ونبني بدلاً منها شيئاً عملياً يجعل التركيز هو الأصل وليس الاستثناء، فننجز أقل عدد من المهام ربما، لكن أعمق أثراً وأكبر فائدة. ومع مثل هذه الحالة، تظهر الجودة في أبسط مفاهيمها، ليس في طول الوقت لإنجاز المهمة، بل فيما تحتاج إليه من تركيز حقيقي، لتظهر في أكثر جوانب الإبداع والتميز.
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com
قانون باركنسون وتمدد العمل
8 أكتوبر 2025 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 أكتوبر 00:07 2025
شارك