حسام ميرو

يواجه الشرق الأوسط منذ أكثر من عقد حالة من عدم الاستقرار البنيوي، تتجلى أكثر ما تتجلى في صورة الحروب والنزاعات العسكرية والفوضى، يشارك فيها الجميع أو يتأثّر بها بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى الرغم من كل الحراك الدبلوماسي والسياسي، إلا أن النظام الإقليمي يبدو عاجزاً عن كسر حلقة العنف القائمة، فلحظة انتهاء حرب ما، قد تكون مقدّمة لحرب أخرى، حيث تصبح المسافة الزمنية الفاصلة بين حربين مجرد هدنة مؤقتة، وفرصة لكي تعيد القوى الرئيسية تموضعها السياسي والعسكري، بدلاً من البحث عن أسس السلام والاستقرار.
لماذا لم تنجح الأنظمة السياسية الرئيسية في التوافق على شكل ومضمون منظومة أمن واستقرار تضمن مصالح الجميع؟
إن التحليل المباشر يذهب عادة إلى العلاقات البينية بين الدول، لقراءة مؤشرات إمكانات التوافق، خصوصاً بما يتعلق بمكانة الدول في النظام الإقليمي الذي تتواجد فيه، لكن هذا التحليل على أهميته ومحوريته في فهم مشكلات النظام الإقليمي، يبتعد بقدر كبير عن تحليل بنية الأنظمة السياسية التي يدرسها، وطبيعة اللحظة التاريخية التي تعيشها، وإمكانية تجاوبها مع متطلبات الاستقرار، أو بتعبير أدق، يجعل ذهابها نحو الحرب أقلّ كلفة من ذهابها نحو السلام والاستقرار.
لفهم هذه الحالة، يمكن الاستعانة بالأدبيات السياسية المقارنة بين نظام إقليمي مستقر وآخر تعمّه الحروب والفوضى، ففي الأنظمة الإقليمية المستقرّة، هناك اتفاق لا يمكن تجاوزه على مبدأ السيادة، فلا يمكن لدولة أن تفكر في خرق سيادة دولة أخرى، أو أن تسعى إلى إعادة تشكيل الخرائط، أو الاستفادة من الأزمات الداخلية الناشئة في بلد من بلدان الإقليم لتفتيت جغرافيا هذه الدولة، فعلى سبيل المثال، ظهرت وحدة الموقف السياسي الأوروبي بعد شن روسيا حربها على أوكرانيا، انطلاقاً من أسس عدة، في مقدمتها الأساس القانوني، المتمثل بسيادة الدولة على أراضيها، ولم تمنع الخلافات الأوروبية البينية من إظهار هذا الموقف الموحد تجاه روسيا، فقد اعتبر الأوروبيون أن هذه الحرب لا تمسّ أوكرانيا وحدها، بل كامل المنظومة الإقليمية للاتحاد الأوروبي.
ما يحدث منذ عقد ونصف العقد في الشرق الأوسط هو محاولة تغيير الخرائط في البلدان التي طالتها حروب داخلية، من دون إظهار موقف حازم وعملي تجاه هذه المحاولة، فقد اعتبر لاعبون إقليميون كثر أن ما يجري فرصة للاستفادة من تبعثر سيادة الدول، لتعظيم المكاسب وزيادة النفوذ والهيمنة، وهذا المنطق النفعي لا يعكس فقط غياب ممكنات التوافق، وإنما يظهر قدر الاستخفاف بالآثار طويلة المدى لمثل هذا السلوك، أو ما يمكن أن يترتّب عليه من ارتدادات سياسية غير متوقّعة، أو سيناريوهات لم تكن بالحسبان، وفواتير باهظة قياساً بخيار المحافظة على سيادة الدول.
تقوم معظم أنظمة الشرق الأوسط على بنى مؤسساتية هجينة، تتجاور فيها البنى المؤسساتية شكلاً، مثل البرلمان والقضاء ومؤسسات الخدمات والإنترنت، لكن في الوقت ذاته لا تمتلك مؤسسات تعليمية حديثة، ولا تسهم في البحث العلمي، أو الاختراعات التكنولوجية، ولا تشارك بقوة في الإنتاج العالمي، وتحوز فيها القوى التقليدية مكانة وازنة في المجتمع، أو في التأثير في شبكات المصالح، بالإضافة إلى استمرار التداخل بين الديني والسياسي، وهو ليس حصراً بدول بعينها، وإنما يكاد يكون ظاهرة عامة، لم تنجُ منها الدولتان «الديمقراطيتان» تركيا وإسرائيل.
أما على المستوى البيني، باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي، فيفتقد الإقليم إلى بنى اقتصادية متشابكة، إذ لم يتجاوز حجم التجارة البينية بين الدول العربية 10% من إجمالي تجارتها الخارجية خلال العقدين الأخيرين، وهي نسبة متدنية مقارنة بالمعدلات العالمية. ورغم أن المنطقة تُعد من أكثر مناطق العالم شباباً، إذ يشكّل من هم بين 15 و29 عاماً نحو 32% من السكان، إلا أن معدلات البطالة بين الشباب بلغت نحو 27%، ما يجعلها من بين الأعلى عالمياً.
وبناءً عليه، فإنه من منظور سوسيولوجيا السياسة، يمكن اعتبار الحروب في الشرق الأوسط وسيلة لتأجيل أو منع استحقاقات الإصلاح الداخلي، فبدلاً من أن تواجه الأنظمة أسئلة التغيير السياسي والاجتماعي، تلجأ إلى خيار الحرب بوصفه أداة لتثبيت السلطة وإعادة ترتيب المشهد الداخلي، لكن هذه الحروب لا تحل الأزمات البنيوية، بل تؤكد فشل النماذج القائمة، وتكشف الحاجة المتزايدة إلى بدائل سياسية قادرة على إعادة صياغة النظام الإقليمي.
واستناداً إلى الاتجاهات الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الإقليم، يتمثّل الأول باستمرار منطق الصراعات، بحيث تبقى الحرب أداة لإدارة السلطة وتثبيت الشرعية، والثاني هو بروز توازنات إقليمية جديدة تفرضها القوى الدولية والإقليمية الكبرى، قد تؤدي إلى خفض حدّة الصراع من دون معالجة جذوره البنيوية، أما الثالث، وهو الأقل احتمالاً في المدى القصير، فيتمثل في بناء منظومة تكاملية، شرطها إعادة بناء الأنظمة السياسية على أسس أكثر ديمقراطية ومؤسسية، وخلق مصالح اقتصادية مشتركة، وبالتالي فإن الشرق الأوسط أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن يستمر في دورة الحروب المتلاحقة، أو أن يتجه تدريجياً نحو بناء منظومة عقلانية جديدة تستند إلى التكامل الاقتصادي والسياسي.
[email protected]