توقفت عند طفولة وشباب البروفيسور عمر ياغي قبل ذهابه إلى الولايات المتحدة لدراسة الكيمياء، ثم انطلاقته العبقرية إلى «نوبل» أمس الأول، فالرجل البالغ من العمر 60 عاماً، وهو اليوم واحد من نجوم وأقطاب العلم الحديث في العالم كان واحداً من بين آلاف، وربما ملايين أبناء العائلات الفلسطينية اللّاجئة إلى المخيمات بعد عام 1948، ليختار والده العامل البسيط العاصمة الأردنية، وفي عمّان يولد عمر لأب يدبّر حياة عائلته من العمل في الجزارة، وأم لا تقرأ ولا تكتب، حالها حال آلاف الأمهات الفلسطينيات اللواتي أنجبن جيلاً، بل أجيالاً من العلماء والشعراء والحرفيين والمزارعين والبنّائين.
يقول النوبلي العالمي عمر ياغي كما جاء في وكالات الأنباء إنه نشأ في أسرة متواضعة جداً وكان هو بين عشرة من الإخوة والأخوات.. لا ماء ولا كهرباء في غرفة يتقاسمونها، كما يقول، مع الماشية.
في الخامسة عشرة من عمره يرسله والده إلى أمريكا للدراسة، وهناك يكتشف عقل الشاب ولعه بالكيمياء، وأكثر من ذلك يصبح المختبر ملاذاً بالنسبة له. يقول: اكتشفت عالماً خفياً، وبدأت أستكشف هذا العالم الذي ينبض بالحياة، ويقول: كنت مغرماً بالكيمياء منذ البداية، لقد أحببت المختبر كثيراً.
في أمريكا لم تكن بداية قصة عمر ياغي سهلة، فهو يشير باقتضاب إلى حياته في أمريكا، الحياة التي شقّها بالمعرفة والعلم، وسيخرج بالحكمة التي ملأت حياته: «العلم أكبر قوّة تحقق المساواة في العالم».
قصة تروى، وتكتب، وتُقرأ، وهي رواية عالم عربي بامتياز. عربي بكل معنى الكلمة ومحمولها الوجداني والتاريخي، فهو أردني وسعودي، وهو صاحب استحقاق جائزة الملك فيصل في العلوم عام 2015، وصاحب استحقاق جائزة نوابغ العرب عام 2024، وصاحب استحقاق ميدالية امتياز من الدرجة الأولى من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
عالم ذكي مثقف، استحق جوائز ملوك وأمراء واستحق جنسيات رفيعة تحمل معنى التقدير والاحترام وفي طريقه أكثر من تحية وأكثر من إشارة اعتبارية عالية لعقل علمي منذور لخير البشرية ومعناها الإنساني النبيل.
جاء في المادة الصحفية التي أحاطت به فوراً منذ لحظة الإعلان عن فوزه بنوبل أن صفة بروفيسور في الكيمياء هي أعلى مرتبة أكاديمية يحصل عليها أستاذ جامعي في مجاله، وذكر أيضاً أنه صُنِّفَ ثاني أفضل عالم كيميائي في العالم عام 2011، وهو يأتي في المرتبة الثانية ضمن قائمة أشهر وأفضل العلماء والمهندسين في العالم للفترة من 1998 إلى 2008.
النابغة عمر ياغي ابن قرية «المسمية» التي كانت تابعة للواء غزة في الأربعينات، سليل دماغ جابر بن حيّان أوّل عالم عربي فكّر بتجميع إنسان آلي، يحمل الجنسية الأمريكية أيضاً، ولأن منبعه ومصبّه عربي، فهو يرمز بهذه الجنسيات المتعايشة إلى عالمية ذاته الإنسانية والعلمية، ويرمز أيضاً إلى تفوق العقل العربي وقدرته المدهشة على صناعة عصر عالمي قائم على العلم والفكر والإبداع.
[email protected]