كانت الفنانة الراحلة شادية تقيم في عمارة تطلّ على النيل، وبروح وعين الفنانة شدّها منظر شجرة تنحني بأوراقها على مياه النهر، وتعلقت بها، حتى أن أولاد أخواتها أطلقوا عليها اسم «شجرة شادية»، وفق ما قالته الفنانة في حوار متلفز معها. ستدخل علاقة شادية بتلك الشجرة فصلاً زادها تعلقاً بها حين غنت الأغنية الشهيرة: «يا حبيبتي يا مصر»، من كلمات محمد حمزة ولحن العبقري بليغ حمدي، بسبب الجملة الواردة فيها: «ولا شاف النيل في أحضان الشجر»، ضمن المقطع التالي: «ما شفش الأمل في عيون الولاد وصبايا البلد/ ولا شاف العمل سهران في البلاد والعزم اتولد/ ولا شاف النيل في أحضان الشجر/ ولا سمع مواويل في ليالى القمر/ أصله معداش على مصر».
أدت شادية الأغنية على المسرح عشرات وربما مئات المرات على مدار عقود، وفي كل مرةّ تغنيها لا تفارق عينيها صورة تلك الشجرة: «شايفاها وهي تحضن النيل والنيل يحضنها»، ولا يبدو غريباً أن محمد حمزة حين كتب الأغنية لم يكن يعلم بأمر «شجرة شادية»، فصور القصيدة عكست تعلق الإنسان المصري بوطنه، وبالتفاصيل التي تشدّه إليه، بما في ذلك الأشجار التي تعانق النيل، وليس المقطع الذي أوردنا كلماته أعلاه هو الوحيد الذي يوضح ذلك، وإنما ما تلاه من مقاطع أيضاً، كالمقطع التالي: «ما شفش الرجال السمر الشداد/ فوق كل المحن/ ولا شاف العناد في عيون الولاد/ وتحدى الزمن/ ولا شاف إصرار في عيون البشر/بيقول أحرار ولازم ننتصر/ أصله معداش على مصر».
يقال إن فكرة الأغنية نشأت، دون سابق تخطيط، فترة اشتغال الثلاثة على أغنية أخرى أرادت بها شادية العودة إلى الغناء على المسرح بعد عدة سنوات تفرغت فيها للتمثيل، هي أغنية «عالي»، وفي إحدى جلساتهم تكررت على لسان بليغ عبارة: «يا حبيبتي يا مصر»، التي ألهمت حمزة كتابة كلمات الأغنية، وسرعان ما لحنها بليغ، ليتم تسجيلها في الإذاعة بصوت شادية.
ستغدو الأغنية لسان حال المصريين والعرب، مع أنها كانت ابنة وقتها، حيث أنجزت في عام 1970، في مناخ الخيبة الذي ساد بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، فأشاعت، بعد بثها، مناخاً من الأمل والثقة في قدرة مصر على النهوض ثانية. وفي مقال نشر في صحيفة اليوم السابع، ينقل الصحفي جمال عبد الناصر(اسمه هكذا) عن الأديب جمال الغيطاني قوله: «بدت هذه الأغنية التي كانت تبثها الإذاعة المصرية مثل رسائل مشفرة للجنود على جبهات القتال في حرب أكتوبر 1973 تحثّهم على النصر».
بدورها، تورد الكاتبة غادة العليمي أن شادية وهي تستمع إلى بليغ حمدي وهو يؤديها بمصاحبة العود قالت له: «الغنوة دي يا بليغ هتفضل عايشة حتى بعد ما نموت».
[email protected]
شجرة شادية
10 أكتوبر 2025 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
10 أكتوبر 00:10 2025
شارك