د.صلاح الغول

التأمت قمة شرم الشيخ للسلام في 13 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، برئاسة مشتركة بين الرئيسين الأمريكي، دونالد ترامب، والمصري، عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة قادة وممثلي نحو 28 دولة عربية وإسلامية وأوروبية وآسيوية، بالإضافة إلى كندا. كما شاركت في أعمال القمة منظمات الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والمجلس الأوروبي.
وسعت القمة إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة، وتعزيز جهود إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط، وفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار الإقليمي. وشهدت القمة توقيع رؤساء الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر وثيقة اتفاق غزة. ويتضمن الجزء الأول من الاتفاق انسحاباً جزئيّاً للقوات الإسرائيلية، وتبادل الأسرى، والسماح الإسرائيلي بدخول المزيد من المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. أما المرحلة الثانية، فهي أكثر تعقيداً، إذ تتضمن نزع سلاح حركة حماس، وتشكيل حكومة مؤقتة للإشراف على غزة، بالإضافة إلى نشر قوات دولية في القطاع.
وقد أراد الرئيس ترامب منح مبادرته للسلام شرعية دولية تتجاوز الشرق الأوسط، وهو ما تم بالفعل في شرم الشيخ. كما منحته القمة، وغيره من الزعماء أيضاً، الزخم اللازم لتوسيع نطاق مفاوضات السلام. ومن جانبها، رأت الدول العربية في هذه القمة فرصة لأن يُسمع صوتها، ولإقناع الرئيس ترامب بتفهم مخاوفها، والحصول على دعمه في ظل وجود مخاوف بشأن مدى استمرار إسرائيل في الالتزام الكامل بالخطة، خاصة أن هذه الدول من المرجح أن تلعب دوراً قيادياً في تمويل إعادة إعمار غزة، لكنها تظل متحفظة تجاه تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في وقت سابق، قال فيها إن الحملة العسكرية في غزة «لم تنتهِ بعد». وتركز الدول العربية أيضاً على إقناع ترامب بتبنّي دورٍ للسلطة الفلسطينية في غزة، وهو أمر ترفضه إسرائيل. وتريد مصر، بصفة خاصة، وهي الدولة المحورية في تنفيذ خطة ترامب، ألا ترى تدفقاً هائلاً من اللاجئين عبر حدودها بعد إعادة فتح معبر رفح.
وإذا كان ترامب قد ذكر في كلمته أمام القمة أن الوثيقة «توضح العديد من القواعد واللوائح وأموراً أخرى كثيرة.. «و» أنها وثيقة شاملة للغاية»، فإن القمة لم تقدم توضيحات إضافية تُذكر لخطة ما بعد الحرب. ولهذا، فإن ثمة مخاوف من أن تبقى التفاصيل الخلافية دون حل، أو أن تُشكل نقاطاً لتعثر المفاوضات في المستقبل.
وقد تُبقي الضمانات الأمريكية والمصرية والقطرية والتركية اتفاق وقف إطلاق النار على المسار الصحيح خلال مرحلته الأولى، التي قد تستمر عدة أسابيع لمحاولة وضع أسس اتفاق مستدام وأوسع نطاقاً لوقف إطلاق النار. ولكن في الأسابيع وربما الأشهر المقبلة، سيصبح وقف إطلاق النار هشاً بشكل متزايد. فبعد أن حقق نتنياهو هدفه الرئيسي، المتمثل في تحرير الأسرى المتبقين، من المرجح أن يُشدد موقفه لإرضاء شركائه اليمينيين المتطرفين في الائتلاف الحكومي، ويُصر على نزع سلاح حركة حماس، ونفي قياداتها، والسيطرة الصارمة على غزة بعد الحرب، وهي مطالب رفضتها الحركة حتى الآن، مع الحفاظ على وجود للجيش الإسرائيلي في القطاع، ما يُغضب الفصائل الفلسطينية.
ومع ذلك، من غير المرجح العودة الكاملة إلى القتال واسع النطاق، نظراً للضغوط الدولية والمحلية المستمرة، وإرهاق الحرب في إسرائيل، والبنية التحتية العسكرية المدمرة لحركة حماس. بيد أن احتمال استئناف القتال سيزداد إذا تعثرت المحادثات أو روجت إسرائيل (ومعها الولايات المتحدة) أنّ الحركة تعمد إلى إعادة تنظيم صفوفها. وحتى في حال عدم حدوث ذلك، ستصبح الغارات البرية الإسرائيلية المحدودة أو العمليات الموجهة أكثر روتينية، حيث من المرجح أن يتبنى الجيش الإسرائيلي نموذج «منطقة عازلة أمنية» طويل الأمد في غزة، على غرار وضعه على طول الحدود اللبنانية، محافظاً على السيطرة على أجزاء من القطاع لمنع حركة حماس من إعادة تنظيم صفوفها، وإعادة بناء قدراتها العسكرية.
ومن المرجح أن يُبقي هذا النهج قطاع غزة في حالة صراع منخفض الشدة في الأشهر المقبلة، بفعل الغارات الجوية الإسرائيلية والاشتباكات المتقطعة بين قوات الاحتلال والفصائل الفلسطينية وهجمات الأخيرة على مواقع الجيش الإسرائيلي، حتى في ظل هدنة أوسع نطاقاً. ولذلك، سيعتمد استمرار وقف إطلاق النار بشكل كبير على الضغط الدبلوماسي المستمر من واشنطن والقاهرة والدوحة، وعلى استعداد كل جانب للتنازل عن قضايا محورية كثيراً ما قاومها، لاسيما نزع سلاح حماس، والإقصاء السياسي لها، وانسحاب إسرائيل الكامل من غزة في نهاية المطاف، ليحل محلها جهاز حكم فلسطيني.
وربما تكشف الحالة اللبنانية المشهد المتوقع في قطاع غزة. فبرغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله، الذي ينص على انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بعد 60 يوماً، ريثما ينسحب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، فإن إسرائيل لم تلتزم بتعهداتها في الاتفاق، حيث احتفظت بخمسة مواقع على الأقل في جنوب لبنان، رغم انسحاب حزب الله شمال المنطقة المحددة، فيما تستمر الغارات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. ومن المرجح أن يتكرر هذا الوضع في غزة أيضاً، وأن تربط إسرائيل انسحاب قواتها وتدفق المساعدات بنزع سلاح حركة حماس، وإبعادها عن السلطة.
[email protected]