أندي هوم*
قبل ثلاث سنوات فقط، كانت بورصة لندن للمعادن تقف على شفا هاوية بعد انهيار عقد النيكل، واهتزّت سمعتها العريقة في أوساط الصناعة العالمية. لكن يبدو اليوم أن هذه المؤسسة التي يبلغ عمرها 148 عاماً قد استعادت عافيتها، بل وأظهرت قدرة استثنائية على التحوّل والنجاة من واحدة من أسوأ أزماتها.
وتدخل البورصة هذا الموسم بزخم قوي. فأحجام التداول ارتفعت مجدداً، بما في ذلك النيكل الذي عاد إلى مستويات ما قبل الأزمة. كما افتتحت مستودعات جديدة في ميناء جدة السعودي وهونغ كونغ، في توسّع يعكس طموحها لاستعادة موقعها كمركز عالمي لتجارة المعادن.
حتى قاعة التداول التقليدية ذات المقاعد الحمراء الشهيرة، والتي كان يُعتقد أنها ستُغلق إلى الأبد، ما زالت تقاوم الزمن بانضمام وسطاء جدد مثل شركة «كلير ستريت» الأمريكية، حيث لا تزال أحداث مارس/آذار 2022 المضطربة تُلقي بظلالها الثقيلة على برنامج الإصلاح الجاري في البورصة وسياسات الإنفاذ الأكثر صرامة.
وأغلقت هيئة السلوك المالي البريطانية ملف أزمة النيكل هذا العام بفرض غرامة مالية ضخمة على البورصة، مع تقرير قاسٍ يشرح بالتفصيل ما حدث من إخفاقات. ورغم الانتقادات، دفعت البورصة ببرنامج شامل لإعادة هيكلة السوق، في مواجهة عداء متوقع من بعض أعضائها. وبعد جولات من الضغط، ستبدأ بتطبيق عتبات التداول الجماعي لتوجيه المزيد من السيولة إلى منصتها الإلكترونية. مع بعض التنازلات لشركاتها الصناعية بشأن التداول الداخلي القصير الأجل.
وفيما يخص محاولات بورصة لندن فرض هذه القواعد على السوق الموازية خارجها، فقد فشلت بسبب المعارضة القوية من جمعيات الوسطاء وشركات العقود الآجلة، لترد البورصة بزيادة الرسوم على ما يُعرف ب «العقود الشبيهة» التي تشهد رواجاً في السوق غير المنظمة. وتسعى البورصة إلى نقل عقود الخيارات من التداول المكتبي إلى المنصات الإلكترونية، في خطوة أخرى نحو تطوير هذا السوق الذي ما زال متواضعاً مقارنة ببورصات أخرى مثل «شنغهاي» و«شيكاغو».
يُذكر أن بورصة شنغهاي لم تبدأ تداول الخيارات إلا عام 2018، لكنها تمتلك اليوم عقوداً سائلة تشمل مختلف المعادن لديها، فيما وسّعت بورصة شيكاغو عقودها الأسبوعية للنحاس. ورغم أن جدول بورصة لندن للتحوّل الإلكتروني ممتد زمنياً، فإن دخول شركات كبرى مثل «أوبتيفر» الهولندية على خط العضوية يمنح المشروع مصداقية قوية.
في غضون ذلك، شدّدت بورصة لندن، تحت رقابة صارمة من هيئة السلوك المالي، قواعدها بشأن الصفقات الضخمة والمراكز المهيمنة، من خلال تمديد قواعد الإقراض لما بعد تاريخ الاستحقاق النقدي إلى أقرب موعد شهري، ما يحدّ من احتمالات احتكار السوق أو تكرار السيناريو الذي تسبب في أزمة النيكل.
ووجّهت البورصة في يونيو/حزيران الماضي بعض المشاركين إلى تقليص مراكزهم الكبيرة بما يتناسب مع مستويات المخزون الفعلية، خصوصاً في أسواق الألمنيوم والنحاس، اللذين تأثرت إمداداتهما بالعقوبات على المعادن الروسية والرسوم الأمريكية على الواردات.
لكن الأزمة الأبرز اليوم تدور حول الألمنيوم، الذي يشهد منذ مايو/أيار الماضي ما يُشبه الضغط المستمر، وسط تساؤلات من هيئة الرقابة نفسها حول حجم المخزون الذي تحتفظ به شركة «ميركوريا» السويسرية. ومع ذلك، يبدو واضحاً أن البورصة أصبحت أكثر حزماً وجرأة في التعامل مع الأسواق المتقلبة.
الخبر السار لإدارة بورصة لندن، هو أن أحجام التداولات اليومية آخذة في الارتفاع. فقد قفزت في المتوسط بنسبة 18% العام الماضي، وارتفعت مجدداً 3% خلال الشهور التسعة الأولى من هذا العام. ومن الطبيعي أن تستثمر البورصة هذه الأرقام كدليل على نجاح إصلاحاتها، وجنيها في الوقت نفسه ثمار اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
فقد أدى تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم على واردات النحاس المكرّر إلى إعادة توجيه المخزونات العالمية نحو الولايات المتحدة، ما عزّز نشاط العقود في بورصة لندن على حساب منافستها «بورصة شيكاغو»، التي تعتمد بشكل أكبر على التمويل.
وبالفعل، ارتفعت أحجام تداول عقود النحاس الآجلة وخياراتها في بورصة لندن للمعادن بنسبة 2.4% على أساس سنوي حتى سبتمبر/أيلول، في حين انخفضت في شيكاغو بنسبة 39% للفترة ذاتها. كما أسهمت زيادة المعروض من الرصاص والنيكل بتدفّق كميات كبيرة إلى مستودعات لندن، لترتفع المخزونات إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، وتنتعش معها عمليات التمويل. وحتى عقد الكوبالت، الذي ظل خاملاً لفترة طويلة، استعاد عافيته وسجل نشاطاً قياسياً بعد دخول 1755 طناً من المعدن إلى مستودعات البورصة.
ومع ذلك، يبقى النحاس، الذي عانى فترة عصيبة مؤخراً، العنوان الأبرز للمرحلة. فبعد تقلبات حادة في 2025، عاد المعدن الصناعي الأصفر إلى موجة الصعود القوية، ولامس سعر عقوده الآجلة لثلاثة أشهر في بورصة لندن مستوى 11000 دولار للطن، مقترباً من قمته التاريخية المسجّلة في مايو/أيار 2024 عند 11104 دولارات. يُقال، إنه حين يعود النحاس إلى المزاج الصافي، فهذا يعني أن بورصة لندن بألف خير. ويبقى الأمل فقط ألا يكون الصباح التالي مؤلماً ليلة طويلة من النشوة المعدنية.
*كاتب متخصص في أسواق المعادن الصناعية «رويترز»