عبارة تنسب إلى ديستوفسكي، يقال إنها وردت في روايته «الليالي البيضاء» تقول: «ما مضى قد مضى، وما قيل قد قيل ولا يستعاد». بدا الكاتب هنا قاطعاً بأن الماضي قد ولّى ولا سبيل لعودته ولا جدوى من الترحم عليه أو الحنين إليه، فذلك لن يغيّر من الأمر شيئاً، فيما بدا الشاعر العربي من العصر العباسي أبو منصور الثعالبي، ميّالاً إلى الحنين للماضي، حتى لو سلّم، هو الآخر، بأنه قد مضى، كما تظهر ذلك أبياته الشعرية القائلة: «سقى اللهُ عيشاً مضى وانْقَضى/ بلا رجعةٍ أرْتَضيها ونُقْلةْ/ كوجهِ الحبيبِ وقلبِ الأديب/ وشعرِ الوليد وخطِّ ابن مقلةْ».
المقصود بوجه الحبيب الجميل وقلب الأديب المرهف واضح، لكن الروايات اختلفت حول من المقصود بالوليد، وسط ترجيحات بأن يكون الوليد بن يزيد، لما عرف به شعره من فصاحة، أما ابن مقلة فهو الخطاط الشهير الذي يقال إنه مؤسس قاعدتي خطَّي الثلث والنسخ وكأن الشاعر هنا أراد القول إنه بالإضافة للأحبّة الذين فقدهم، فإنه فقد إبداعاً مضى، لا نظير له في الزمن الذي عاشه، ولكنه، أي الشاعر، ظلّ مشدوداً لزمنٍ ولى، كما يشي قوله «سقى اللهُ عيشاً مضى وانقضى»، أي «رحم اللهُ ذلك الزمن»، ولنضف إليه وصف الجميل، على جري عادتنا اليوم ويبدو الثعاليي هنا، مثل ديستوفسكي، قليل الحيلة إزاء هذا التغيّر، لكنه كان أقرب إلى الحنين الهادئ، لا حنين الأسى، حنين إلى زمن مضى ورضا بتقادم الأيام.
بعيداً بعض الشيء عن الشعر والأدب، تأخذنا الإعلامية سمية نصر في تقرير مطوّل نشر مطالع هذا الشهر إلى ما يمكن وصفه «حنين الأجيال» وتحديداً حنين الجيل الذي نشأ أفراده في الثمانينات أو التسعينات من القرن الماضي، واعتادوا منذ طفولتهم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وعن إحدى الفتيات المنتميات إلى هذا الجيل، اسمها حلا، تنقل الكاتبة: «لا أعتقد أننا نستطيع الاستغناء عن التكنولوجيا وتطبيقاتها، لكني في الوقت ذاته أشعر بأننا لم نعد نتحدث مع بعضنا بعضاً لأن كل شخص ملتصق بهاتفه طوال الوقت»، وبدا هذا القول بمثابة لسان حال أفراد جيلها كاملاً.
وينقل التقرير عن أحد أعضاء فريق أجنبي اهتمّ بدراسة التحولات التي عرفها بالغو الجيل المعروف بجيل «زد»، أن 80 في المئة منهم يشعرون بالقلق إزاء اعتمادهم الزائد على التكنولوجيا وحسب استطلاع أجراه أعضاء الفريق، فإن 75 في المئة من أبناء هذا الجيل يخشون من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة العقلية وأن 60 في المئة يتمنون لو كان باستطاعتهم العودة إلى زمن سابق لزمنهم الذي أصبح فيه الجميع متصلين بالإنترنت ومتابعين ل«الترندات»، وكأنهم يستعيدون قول الثعالبي: «سقى الله عيشاً مضى».
[email protected]
سقى الله عيشاً مضى
17 أكتوبر 2025 00:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 أكتوبر 00:12 2025
شارك