جميل مطر
قبل أسابيع كنا شهوداً على سعي الرئيس الأمريكي ليحتفظ بأسبقيته في المشي أمام الحرس الملكي. تساءلنا هل تعمد الرئيس أن يسبق جلالة الملك عند التفتيش على الحرس الملكي المصطف لاستقباله أم أن الملك وقد بلغ من العمر ما بلغ، لم يعد قادراً وربما غير راغب في أن يسابق ضيفه الذي بدا للجميع مصراً على أن يتقدم على الملك أمام ملايين المشاهدين في كافة أرجاء العالم.
يومها ولأيام معدودة بعد الحفل تمسكت برأي الأغلبية التي اعتقدت أن الرئيس الأمريكي، رغم عديد صفاته السلبية، ليس غبياً. لا شك أنه أدرك ما أدركته أنا نفسي من أن هذه مناسبة لها منذ القدم تقاليدها الملكية التي تُلتزم عند استقبال رؤساء وملوك أجانب.
مرت أيام لم تخل من جدل بين المعلقين حول الحادثة إلى أن جاء يوم صدرت فيه مجلة «تايم» الأمريكية داخل غلاف يحمل صورة الرئيس ترامب وعلى رأسه تاج ذهبي. لم يتوقف الجدل ولم ينحسر، وكلنا نعرف منذ وقت طويل أن لغلاف «التايم» مكانة رفيعة في تكويننا نحن الإعلاميين وخاصة من يعمل منا في صنع الرأي وتحليل الرأي الآخر.
يصر الرئيس ترامب على أن تكون مؤتمراته الدبلوماسية واجتماعاته بكبار المسؤولين في حكومته مفتوحة أمام الصحفيين، ولعلها إحدى أهم وسائل الردع والترهيب التي ابتدعها لشل القدرات الذهنية لرفاقه من الحكام عموماً والزائرين خصوصاً، وإجبارهم على الإشادة به خوفاً من إطلاق لسانه في ذمهم والإساءة إليهم.
واضح تماماً أنه لم يستخدم أياً من هذه الأساليب في جلسات مفتوحة مع نتنياهو. الأمر الذي يزيد من اقتناعنا بأن في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ألغازاً وأسراراً لم يكشف عنها الستار بعد. ما زلت مقتنعاً بأن كلاً منهما خاضع بشكل أو بآخر لمركز قوة ليس غريباً عن تخمينات العدد الأكبر من الخبراء. على كل حال يبدو أن الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط بدأت تفضح شيئاً فشيئاً سراً بعد آخر من أسرار هذه العلاقة.
لا شك أن هذه العلاقة التي يصر الطرفان على خصوصيتها صارت في عرف الإعلاميين وبعض المتخصصين في العلاقات الدولية علاقة فريدة لا مثيل لها في النظام الدولي الراهن. نلاحظ مع آخرين أن إسرائيل باتت تلعب في ساحات السياسة الدولية دوراً خطراً.
الخبراء من جانبهم يقترحون أربعة مصادر لهذه القوة الفائقة، الأول: الهيمنة شبه الكاملة على كنوز البيانات والمعلومات في معظم دول العالم والتقدم الكبير في استخداماتها لها في الحرب كما في السلم. يد إسرائيل دائماً موجودة، فهي مالكة بالجزء أو بالكل لعديد شركات البيانات، وهي موجودة لأن أكثرية اليهود العاملين في هذه القطاعات في مختلف دول العالم، وخاصة في أمريكا والدول الغربية، هم رعايا إسرائيل كجنسية ثانية معلنة أو في السر. الثاني: حيازتها للسلاح النووي واطمئنانها إلى أن أمريكا باستخدام نفوذها وقوتها الاقتصادية والعسكرية لن تسمح لدولة أخرى في الإقليم بتصنيع هذا السلاح، وليكن معلوماً للدول الكبرى والصغرى على حد سواء أن تعهدات أمريكا لإسرائيل في هذا الصدد تظل قائمة مهما كانت الظروف. الثالث: مكانة إسرائيل في النظام الاستخباراتي الدولي، إسرائيل موجودة في معظم الدول والهيئات والمؤسسات الدولية.
لن يصدر قرار أو إجراء يهم المصالح الأمنية العالمية إلا وإسرائيل تعلم به واستعدت له أو استخدمته لخدمة أهدافها مع دولة أو أخرى. الرابع: هيئات، بعضها معروف وبعضها الآخر غير معروف للصحف والدول، مهمتها تمويل حملات انتخابية لشيوخ ونواب ورؤساء دول. المال المخصص لهذه العمليات يأتي عن طريق الإعفاءات وصفقات الفساد وامتلاك مصارف وحصيلة التهرب الضريبي التي يقوم بها أشخاص بأسماء كبيرة لا تقربها صحيفة أو حكومة.
أتفق مع الرأي القائل إن مظاهرات المليون أمريكي، تحت شعار «ترامب ليس ملكاً»، التي خرجت في عديد المدن الأمريكية نهاية الأسبوع الماضي سوف تخصم من الرصيد الشعبي للرئيس ترامب.
تحدث خلافات بين إسرائيل وأمريكا بين الحين والآخر ولكن لفترات قصيرة. أتصور أن ما يجعلها قصيرة ليس الحرص على مصالح قومية بقدر ما هو تدخل القوى الخفية بالضغط على قيادات الدولتين. إن صح تصوري يصبح منطقياً القول إن هذه القوى الخفية باقية ما بقي أو تغير النظام السياسي الدولي الراهن، وغير باقية بالضرورة إذا تغير النظام الاقتصادي العالمي الراهن، وهو النظام الذي يسمح لأفراد وعائلات وجماعات باكتناز ثروات مالية هائلة تهيمن بواسطتها على إرادات دول عظمى وصغرى على حد سواء.