رضا السميحيين
ثمة جملة دارجة بين بعض الكتاب والناشرين كثيراً ما تتردد، هي «كتاب مالو سوق». العبارة تبدو بسيطة، لكنها قادرة على تقويض حلم ولادة كتاب ليحكم عليه أن يبقى مسودة في درج الكاتب لسنوات، أو ربما إلى الأبد، وهنا تصبح هذه الكلمة حكماً مبكراً يسبق القراءة، وقراراً تجارياً يتغلب على القيمة الفكرية أو الجمالية للعمل الأدبي.
كثير من الكتب التي صنعت منعطفات في الثقافة الإنسانية خرجت من رحم تلك التصنيفات المجحفة، العالم غاليليو مثلاً، لم يسوق أفكاراً ممتعة للجمهور في عصره، ونجيب محفوظ يوم كتب عن الأزقة لم يرض ذائقة السوق بقدر ما التقط نبضه، أما الرواية الأولى لستيفن كينغ «كاري» فقد رفضت من نحو ثلاثين دار نشر قبل أن تتحول إلى فيلم ناجح وهي بداية شهرته الأدبية، لذا، فما هو غير رائج اليوم يصبح غداً جزءاً من المائدة الثقافية العامة، وربما يتحول إلى «أيقونة» يجري تقليدها وتكرارها.
لعل المفارقة أن سوق الكتب بحد ذاته «وهم» متحرك، يتشكل بحسب ما يعرض عليه لا بحسب رغبات أو ذائقة قرائية ثابتة، فالقارئ يتغير بقدر ما يتجرأ الكتّاب والمفكرون على دفعه إلى أمكنة جديدة يستكشفها، فلو سلمنا بمعيار «الطلب»، لبقينا ندور في حلقة مغلقة من المواضيع التقليدية، ولما أفسح المجال أمام كل جديد ليصير مألوفاً.
في عالم النشر، هناك مساحة وسطى مضطربة بين الناشر الذي يخاف الخسارة، والكاتب الذي يخشى الفشل والتهميش، والعجيب أن هذا التوتر بين الرغبتين هو ذاته ما يصنع قيمة المشهد الثقافي، فحين يغامر ناشر بنشر كتاب مصنف تحت بند «مالو سوق»، هو في الواقع يفتح سوقاً جديدة، ويمنح الأدب فرصة أن يتجاوز اللحظة الاستهلاكية، نحو أفق صناعة الفكرة.
إن كل مؤلف واجه تلك العبارة يعرف مدى ما تحمله من ثقل، وهي كلمات قد تحبط فعلياً، لكنها في الوقت نفسه قد تصقل إصرار الكاتب على أن يكتب، إيماناً منه بأن الكلمة تستحق أن تكتب، وليس إرضاء لحسابات البيع.
نصوص عديدة رفضت بالأمس بحجة عدم الرواج، ثم أصبحت اليوم جزءاً من منهاج جامعي أو معياراً لإبداع عصر بأكمله، هذا الأمر ربما يقودنا إلى السؤال الأصدق الذي يجب أن يطرح: «هل يضيف هذا الكتاب شيئاً إلى وعينا أو خيالنا؟»، فإذا كانت الإجابة نعم، فالسوق سيأتي لاحقاً، ولو بعد حين، فالسوق حالة موسمية مؤقتة، أما الكتاب الجيد، فموسمه طويل، يعبر الأزمنة ولا ينتهي.