أحمد مصطفى
لطالما نظرنا، نحن الصحفيين والإعلاميين العرب، إلى الصحافة والإعلام في الغرب باعتبارها نموذجاً للمهنية الاحترافية والموضوعية باعتبارها بالفعل سلطة رابعة على قدم المساواة مع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في بنية الدول الديموقراطية. ولعل الأجيال السابقة تذكر كيف كان الناس يستمعون لأخبار بلادهم من «إذاعة لندن» وتنقل منافذ الأخبار التي تحظى بقدر من المصداقية عن الوكالات والصحف الانجليزية والفرنسية.
ذلك على الرغم من أنه كانت هناك صحافة عربية رصينة وجادة وإعلام يتميز بالموضوعية إلى حد ما. إلا أن الناس كانت تثق أكثر في صحافة وإعلام «الخواجات»، ليس فقط من قبيل عقدة الخواجة التي تميز أي منتج أجنبي، بما في ذلك الأخبار والمعلومات، عن المنتج المحلي وإنما للاعتقاد بأن في الغرب حرية صحافة لم نصل إليها بعد، وبالتالي فهم أجدر بالثقة عن إعلامنا.
مع انتشار الإنترنت وتطور الهواتف الذكية ومعها تطبيقات مواقع التواصل وغيرها، تلاشت تلك الفروق بين إعلام الغرب وإعلامنا، وأصبح من السهل على الجميع الوصول إلى المنافذ المختلفة والمقارنة والتدقيق وإن كان هذا الانتشار صاحبه قدر كبير من «التسطيح» فضلاً عن التلفيق والتضليل ونظريات المؤامرة التي نالت من مصداقية الأخبار والمعلومات.
في السنوات الأخيرة ومع تراجع النموذج الديموقراطي الغربي هبطت مصداقية الصحافة والإعلام بقدر كبير. ونتيجة صعود اليمين المتطرف والتيارات العنصرية والفاشية على حساب القوى السياسية التقليدية في كثير من الدول الغربية تتعرض بقية السلطات، من القضاء إلى الصحافة لحملة شعواء لنسف استقلاليتها وضرب موضوعيتها.
في كلمة له أمام الجمهور في كلية كولبي بولاية ماين شمال شرق أمريكا، كشف المنتج التنفيذي السابق لبرنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس» بيل أوين عن جانب من عملية تكميم أفواه الصحافة والإعلام في أمريكا وهذا البرنامج هو تقريباً من أهم البرامج الإخبارية على الشبكات الأمريكية ويقابل برنامج «نيوز نايت» على «بي بي سي» في بريطانيا الذي تعرض مؤخراً لشبه تدمير أيضاً.
شرح باول بعض أسباب استقالته المفاجئة من البرنامج الشهير الذي كان يديره في الربيع الماضي بعد تعرضه لضغوط من رؤسائه لم يعد يتحملها، من ذلك، الاعتراض على مقابلة نائبة الرئيس بايدن السابقة كامالا هاريس، ثم مطالبته بعدم التعرض للرئيس ترامب، إلى جانب -طبعاً- انتقاد تغطية البرنامج للحرب على غزة، خاصة وأن المساهمة الأكبر في شركة «باراماونت» المالكة لـ«سي بي إس» شاري ريدستون متعصبة في دعم إسرائيل.
لم يكن باول الوحيد الذي استقال من «سي بي إس»، بل استقال غيره آخرون منهم واحدة من قيادات الشبكة، وكان الضغط الأكبر والتقييد على الصحافة نتيجة تغطية البرنامج لاستقالة عدد من موظفي الخارجية الأمريكية اعتراضاً على سياسة دعم حرب الإبادة على غزة.
قد تكون الصورة أكثر فجاجة في الولايات المتحدة في ظل رئيس يريد إغلاق الصحف والقنوات الإخبارية التي لا تمدحه طوال الوقت أو حتى توجه إليه أسئلة لا تعجبه.
رغم أن منافذ الصحافة والإعلام في أغلبها شركات خاصة، إلا أنها أصبحت تخضع لتوجهات السلطة التنفيذية خشية البطش بها واتقاءً لقضايا باهظة التكاليف قد تؤدي إلى إفلاسها، فالرئيس ترامب رفع دعوى على «سي بي إس» مطالباً بعشرة مليارات دولار كتعويض، بل إنه دفع باتجاه شراء شركة أخرى لمالكة الشبكة كي يسيطر أنصاره من رجال الأعمال على هذا الجانب. ورفع ترامب كذلك دعوى على صحيفة يومية رائدة مطالباً بخمسة عشر مليار دولار تعويضاً.
هذا الإرهاب للصحافة والإعلام في الولايات المتحدة قد لا يكون واضحاً تماماً بالمثل في أوروبا، لكن الصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية في دول أوروبا تفرض قدراً من الرقابة الذاتية على صحفييها المهنيين بالشكل الذي يجعل منتجها حالياً أشبه بالإعلام التعبوي منه عن الصحافة الموضوعية المهنية. والأمثلة على ذلك لا حصر لها من تغطية حرب أوكرانيا إلى تغطية الحرب على غزة مروراً بأخبار السياسة المحلية في كل بلد.
ليست المشكلة فقط في تحول الإعلام الغربي إلى إعلام تعبوي نتيجة الضغوط وتكميم الأفواه في ما يتعلق بقضايا تستحق التغطية الموضوعية، إنما الأكثر خطورة هو أن ذلك يقود إلى انهيار الثقة في الصحافة والإعلام من قبل الجماهير الواسعة لأنها لم تعد تعبّر عن مشاكلها ولا توصل لها معلومات دقيقة محايدة وتزيد من جرعات الرأي الذي يسيطر عليه الهوى المنحاز.
مع انهيار ثقة الناس في الإعلام التقليدي تسد مواقع التواصل والكم الهائل من الزيف والكذب والآراء المتطرفة تلك الفجوة، ويزيد إقبال الناس على مصادر أخرى للمعلومة والرأي سهلة وسريعة لكن بها «سمّاً قاتلاً» لا تظهر آثاره مباشرة في أغلب الأحيان.