صلاح الغول

في 11 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، اندلعت اشتباكات حدودية بين القوات الأفغانية والباكستانية أدت إلى إغلاق المعابر الحدودية، إثر غاراتٍ جوية باكستانية على أفغانستان (في 9 أكتوبر). وقد أسفرت الاشتباكات، التي أُعلن عن انتهائها مساء يوم اندلاعها نفسه استجابةً لطلب من قطر والسعودية، عن عشرات من القتلى والمصابين، نقلت وسائل إعلام باكستانية وأفغانية أرقاماً متباينة لهم. وعدت هذه الاشتباكات الأسوأ بين الجارتين منذ وصول حركة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021.
ومع ذلك، تجددت الاشتباكات بين البلدين بعد أربعة أيام فقط، في المناطق الحدودية الجبلية شمال غربي باكستان في مقاطعة كُرّم بولاية خيبر بختونخوا، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 عنصراً من حركة طالبان. وإذا كانت اشتباكات 11 أكتوبر قد اندلعت رداً على الغارات الجوية الباكستانية، التي استهدفت العاصمة كابول وولايتي خوست وننغرهار، فإن مصادمات 15 أكتوبر بدأت عندما فتحت قوات أفغانية النار على موقع حدودي باكستاني «من دون استفزاز»، ما دفع الجيش الباكستاني إلى الرد بقصف مدفعي كثيف دمّر عدداً من المواقع والدبابات التابعة لقوات «طالبان»، حسب مصادر عسكرية باكستانية.
وتتهم باكستان جارتها بدعم مسلحي حركة طالبان-باكستان، وتوفير ملاذ آمن لهم في أفغانستان للتدريب والتخطيط، ومن ثم تنفيذ هجمات ضد قوات الجيش الباكستاني من قواعدهم هناك. وقد أصبح هذا الادّعاء نقطة مركزية في خطاب المؤسسة العسكرية الباكستانية. وفي المقابل، غالباً ما تنفي حكومة «طالبان» في كابول توفير مثل هذه الملاذات، أو تقول إن لديها صعوبة في ضبط عناصر متحرّكة. كما يتم اتهام كابول بتوفير ملاذ آمن للانفصاليين البلوش، «جيش تحرير بلوشستان» المناوئ لإسلام آباد.
فضلاً عن ذلك، فإن ثمة نزاعاً حول شرعية خطّ ديوراند (Durand Line) الحدودي بين باكستان وأفغانستان، حيث توجد أصوات سياسية في أفغانستان ترفض أو تشكك في شرعية الخط، وهو ما ينعكس أحياناً في خطاب رسمي أو مناطقي يُثير مطالبات إقليمية أفغانية رمزية أو فعلية في الأراضي الباكستانية. والأهم من ذلك أنّ باكستان تتهم الهند بتمويل ودعم المسلحين الذين ينفذون هجمات داخل أراضيها عبر أفغانستان، لاسيما جيش تحرير بلوشستان. وبطبيعة الحال، فإن نيودلهي تنفي هذه الاتهامات.
وبرغم إعلان وقف طويل الأمد لإطلاق النار في 19 أكتوبر، بوساطة قطرية، أعلن الجيش الباكستاني أن عدداً من مقاتلي حركة طالبان-باكستان، في 24 و25 أكتوبر، حاولوا العبور من أفغانستان إلى داخل باكستان، ما أسفر عن مقتل 25 مسلحاً من الحركة وخمسة جنود باكستانيين. كما وقعت أعمال عنف متقطعة قرب المعابر الحدودية المغلقة بين البلدين، ما تسبب في ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية.
وكان وقوع هذه الاشتباكات بعد أيام فقط من إعلان البلدين وقفاً طويل الأمد لإطلاق النار، وفي ظل محادثات مستمرة بينهما انتظمت في إسطنبول بهدف التوصل إلى وقف أكثر استدامة للأعمال العدائية، دليلاً على هشاشة أي اتفاق قد يتوصل إليه الجانبان في نهاية المطاف. ولذلك، لم يكن مفاجئاً إعلان فشل محادثات إسطنبول، أو انتهائها من دون التوصل إلى «حل عملي»، في ضربة لجهود السلام بالمنطقة.
وقد أرجع وزير الإعلام الباكستاني، عطا الله ترار، فشل المحادثات إلى «استمرار الجانب الأفغاني في الانحراف عن القضية الأساسية، متهرباً من النقطة الرئيسية التي بدأت على أساسها عملية الحوار». وأضاف الوزير الباكستاني أنه «بدلاً من قبول أي مسؤولية، لجأت حركة طالبان الأفغانية إلى لعبة إلقاء اللوم والتهرب والحيل. ومن ثمّ، فشل الحوار في التوصل إلى أي حل عملي».
والواقع أنّ أسباب فشل المحادثات متعددة، يأتي في مقدمتها انعدام الثقة المستمر بين الطرفين الأفغاني والباكستاني، وعدم اتفاق البلدين على الحقائق الأساسية حول الوضع الميداني، مثل مدى وجود مقاتلي حركة طالبان-باكستان داخل أفغانستان، والتدخلات الأجنبية، وعلى رأسها الهند، في الصراع.
ومن المرجح أن يؤدي فشل المحادثات بين باكستان وأفغانستان إلى حالة جمود متوتر تتخللها اشتباكات حدودية محدودة بينهما، مع احتمالية تصعيدها إذا استمرت حركة طالبان الأفغانية في تجاهل مطالب إسلام أباد المتعلقة بتحييد «تحريك طالبان باكستان». وقد يتجه الوضع نحو تصعيد أمني أوسع ينعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي وخطوط الإمداد التجارية. ومع ذلك، تبقى فرصة لتدخل وساطة إقليمية — قد تقودها السعودية — لإعادة ضبط المسار ومنع تحول النزاع إلى مواجهة مفتوحة.
وفي أسوأ السيناريوهات، قد يفضي تجدد القتال بين باكستان وأفغانستان إلى تصعيدٍ إقليمي بين إسلام آباد والهند، خصوصاً في ظل اقتناع المؤسسة العسكرية الباكستانية بأن لنيودلهي يداً في هجمات المسلحين على الأراضي الباكستانية، انطلاقاً من قواعدهم في أفغانستان. ومن شأن هذا التصعيد أن يهدد استقرار طرق التجارة والعبور نحو آسيا الوسطى عبر الموانئ الباكستانية.
[email protected]